تفسير قوله تعالى: (علمه شديد القوى)
قال ﷿: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥].
قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) أي: علم محمداً ﷺ ملَكٌ شديدٌ قواه، يعني: جبريل ﵇، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين: أولاً: أن جبريل ﵇ هو الذي علم النبي ﷺ هذا الوحي.
الأمر الثاني: أن جبريل شديد القوى، وهذا ما أوضحه قول الله ﵎ مبيناً أن جبريل هو الذي علم النبي ﷺ، وهو الذي كان سفيراً بينه وبين الله في إيحاء هذا القرآن الكريم إليه، كما قال ﵎: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوَّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقَاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة:٩٧]، ففي هذا إثبات أن جبريل ﵇ هو الذي نزله، والمقصود أن الذي أتاه بالوحي ملَكٌ هذا شأنه، لا شيطان كما يزعم المشركون.
وقال ﵎ أيضاً مبيناً أن جبريل هو الذي علمه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥].
وفي نفس السياق في سورة الشعراء قال ﵎: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء:٢١٠ - ٢١٢]، فنفى أن يكون مصدر القرآن الشياطين، وأثبت أن مصدره هو تعليم جبريل الأمين.
وقال ﵎: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤].
وقال ﵎: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٨]، يعني: إذا قرأه عليك الملك المرسل به إليك من عند الله مبلغاً له عنه: ((فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ))، أي: اقرأ كما سمعت الملك يقرأ، وهذا كله يؤكد أن الذي علم النبي ﷺ هو جبريل ﵇.
فهذه الآية دلت على أن جبريل ملك الوحي ((شَدِيدُ الْقُوَى)) * ((ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى))، وهذا بينه قوله ﵎ في سورة التكوير بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، وهذه كلها صفات جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
و (القُوى) جمع قوة، ومن العرب من يكسرها فيقول: القوى بكسر (القاف) كالرِّشا بكسر الراء في الرِّشوة جمع رُشوة بضمها، والحِجا جمع حُجوة.
وقوى الحبل: طاقاته، والواحدة قوة.