تفسير قوله تعالى: (وكم من ملك في السماوات لا يغني من الحق شيئاً)
قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:٢٦ - ٢٨].
ثم يقول ﵎ توبيخاً لعبدة الأوثان، وإقناطاً لهم عما علقوا به أطماعهم من شفاعة أوثانهم: ((وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ)) وكأن الله ﷾ يقول لهم: إذا كانت الملائكة المكرمون الأطهار المعصومون لا يمكن أن يشفعوا عند الله إلا بإذن من الله، فكيف ستشفع لكم هذه الأحجار وهذه الأصنام عند الله ﵎؟! فالملائكة كائنات حية عاقلة مبرأة من السوء ومن الإثم ومنقادة لأمر الله ﷾.
ثم أشار تعالى إلى طغيان آخر للمشركين، فقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ يعني: تسمية الإناث، وذلك أنهم كانوا يقولون على الملائكة: هم بنات الله، فالأنثى هنا بمعنى: الإناث؛ لأنه اسم جنس يتناول الكثير والقليل.
وقيل في المعنى: تسمية الطائفة الأنثى، فلهذا أفردت.
وقيل: منصوب بنزع الخافض على التشبيه، فلا تمس الحاجة إلى الجمعية.
وقيل: أفرد لرعاية الفاصلة.
وقيل: الملائكة بمعنى: استغراق المفرد، على أساس أن (ال) هنا للاستغراق في (الملائكة)، يعني: أنهم يسمون كل واحد منهم بنتاً، وهي تسمية الأنثى، على وزن: كسانا الأمير حلة، يعني: كسا كل واحد منا حلة، وهنا أفردت لعدم اللبس.
ونلاحظ أن الله ﵎ علق هذا الأمر على عدم الإيمان بالآخرة، وفي هذا إشعار بالشناعة والفظاعة واستتباع العقوبة في الآخرة، بحيث لا يجترئ عليها إلا من لا يؤمن بها رأساً، يعني: لا يطاوع إنساناً قلبه أن يتفوه بهذا الزعم -وهو أن الملائكة بنات الله- إلا من كان كافراً بالله ﷾، ولا يؤمن أصلاً بالآخرة، ولذلك علقها الله ﵎ على عدم الإيمان بالآخرة، وبين أنه لا يطاوع امرءاً قلبه على أن يتفوه بهذا الكلام إلا كافر موغر في الكفر والإلحاد مكذب باليوم الآخر.
(وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ)، أي: ليس عندهم أثارة من علم على صحة ما يزعمونه وينسبونه إلى الله ﷾، ولذلك نفى عنهم العلم، وأثبت لهم اتباع الظن، فقال: (وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئَاً).
(وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) يعني: لا يقوم مقام الحق، ولا يصلح بديلاً عن الحق، وذلك لأن حقيقة الشيء وما هو عليه إنما تُدرك إدراكاً معتداً به إذا كان عن يقين، لا عن ظن وتوهم.