موقف أبي بكر الصديق من خبر موته ﷺ
ظل المسلمون على هذه الحال يتمنون صدق كلام عمر ﵁، حتى جاء الصديق ﵁، ودخل مسرعاً إلى بيت الرسول ﵊، بيت ابنته عائشة ﵂، فوجد رسول الله ﷺ على فراشه قد غطوا وجهه، فكشف عن وجهه، فلما أدرك الحقيقة المرة أن رسول الله ﷺ قد مات، بكى الصديق ﵁ وأرضاه بكاء مراً؛ لأن الرسول ﷺ كان بالنسبة لـ أبي بكر كل شيء، لم يكن رسولاً فقط بالنسبة له، لكن كان صاحباً وموطن سر، ومبشراً ومطمئناً، وزوجاً لابنته، ورئيساً لدولته، وهادياً لطريقه، كان كل شيء، ومع كل ذلك أنزل الله ﷿ علي الصديق ثباتاً عجيباً، لو لم يكن له من المواقف في الإسلام إلا هذا الموقف لكان كافياً على عظمته ﵁ وأرضاه.
فأكب الصديق ﵁ وأرضاه على حبيبه ﷺ فقبله في جبهته، ثم قال وهو يضع يده على صدغي الرسول ﵊: وا نبياه، وا خليلاه، وا صفياه، ثم تماسك قائلاً بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله ﷿ الموتتين أبداً، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها، ثم أسرع ﵁ وأرضاه خارجاً إلى الناس، فوجد عمر يقول ما يقول، ويقسم على أن الرسول ﷺ ما مات، فقال: أيها الحالف على رسلك، وفي رواية قال: اجلس يا عمر، لكن عمر لم يكن يسمع شيئاً، فتركه أبو بكر الصديق ﵁ واتجه إلى الناس، فأقبل الناس عليه وتركوا عمر.
فخطب فيهم خطبته المشهورة الموفقة، التي تعتبر على قصرها من أهم الخطب في تاريخ البشرية، ثبت الله ﷿ بها أمة كادت أن تضل، وأوشكت أن تفتن.
قال ﵁ وأرضاه في حزم بعد أن حمد الله وأثنى عليه: ألا من كان يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
ينبه الصديق بفقه عميق على حقيقة الأمر، ويضعه في حجمه الطبيعي، فبرغم عظم المصيبة إلا أنها لا يجب أبداً أن تخرج المسلمين عن شعورهم وعن حكمتهم وعن إيمانهم، فحقيقة الأمر أن رسول الله ﷺ بشر، وحقيقة الأمر أن البشر جميعاً يموتون، وحقيقة الأمر أننا ما عبدناه لحظة واحدة، ولكننا جميعاً عبدنا معه رب العالمين ﷾، والله حي لا يموت، فلا داعي للاختلاط، ولا داعي للفتنة، ولا داعي للاضطراب، وما حدث أمر متوقع، وربنا حي لا يموت، وهو الذي سيجزينا على صبرنا ويعاقبنا على جزعنا.
ثم قرأ الصديق ﵁ وأرضاه في توثيق عجيب آية من سورة آل عمران، تبصر المسلمين بالحقيقة كاملة، وتعرفهم تماماً بما يجب عليهم تجاه هذا الأمر.
قرأ الصديق ﵁: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤].
يقول ابن عباس ﵄: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله ﷿ أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها.
في هذه اللحظة أدرك الناس حقيقة أن رسول الله ﷺ قد مات.
أخرجت هذه الآية الكريمة المسلمين من أوهام الأحلام إلى حقيقة الموت، يقول عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن النبي ﷺ قد مات.
يعني: عمر العملاق ﵁ وأرضاه لم يتحمل المصيبة، فسقط مغشياً عليه، وارتفع البكاء في كل أنحاء المدينة.
قال أبو ذؤيب الهذلي ﵁: قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء، كضجيج الحجيج أهلوا جميعاً بالإحرام، فقلت: مه؟ ماذا حصل؟ فقالوا: قبض رسول الله ﷺ.
وأثرت المصيبة تأثيراً شديداً على أم المؤمنين عائشة ﵂، فكانت تقول: (مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري، وفي دولتي لم أظلم فيه أحداً، فمن حداثة سني أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري، فوضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم) يعني: أضرب صدري ووجهي مع النساء.
مصيبة كبيرة أخرجت معظم الحكماء عن حكمتهم، لكن الحمد لله الذي من على هذه الأمة بـ الصديق ﵁ وأرضاه، فثبت الله ﷿ به الأمة بكاملها، وبدأت الأمة في أخذ خطوات عملية للخروج