وقال المُعَارِضُ لصاحبِ هذا الكلام: تهيَّبوا كَدَّ الطَّلَبِ (¬١) ومُعَالَجةَ السَّفَرِ، وبَعِلُوا (¬٢) بحِفظِ الآثار، ومعرفةِ الرِّجال، واختلفَت عليهم طرائقُ الأسانيد، ووجوهُ الجرح والتعديل، فآثروا الدَّعَةَ (¬٣)، واستلذُّوا الرَّاحَةَ، وعادَوْا ما جَهِلوا، وعلى المَطامع تألَّفُوا، وفي المآثِم والحُطام تنافَسُوا، وتباهَوْا في الطَّيَالِس والقَلَانِس (¬٤)، ولازَمُوا أَفْنِيةَ المُلوكِ، وأبوابَ السَّلَاطين، ونَصَبُوا المَصايدَ لأموالِ الأيتام، والإغارةِ على الوُقُوف والأوساخ (¬٥)، واقتصَروا على ابتياعِ صُحُفٍ دَرَسُوها، واستعَدُّوا الشَّغَبَ عليها.
فإنْ حَفِظَ أحدُهم (¬٦) في السُّنَن شيئًا فمِن صحيفةٍ مُبْتاعةٍ، كفاه غيرُه مَئُونةَ جمعِه وشرحِه وتبويبِه، مِن غير روايةٍ لها، ولا درايةٍ بوزن مَن نقلَها، فإنْ تَعَلَّقَ بشيء منها (¬٧) يسير، خَلَط الغثَّ بالسَّمِين، والسَّلِيمَ بالجَرِيح، ثم فَخَّمَ ما لفَّقَ مِن المسائل ما شاء، وإنَّها والسُّنَنَ المأثورةَ ضِدَّان، فإنْ قُلِبَ عليه إسنادُ حديثٍ