المبحث الثالث: المشيئة والإرادة
من ضلَّ في هذا الباب لم يفرِّق بينهما، قال الباقلاني ﵀ (¬١): "واعلم أنه لا فرق بين الإرادة والمشيئة، والاختيار، والرِّضا، والمحبة" (¬٢)، وابن عجيبة يؤكد ذلك بقوله: "المشيئة والإرادة شيءٌ واحدٌ وإليهما تستند الأشياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (¬٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (¬٤)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على سبق المشيئة" (¬٥).
وهو بهذا لم يُوفَّق للصواب الذي دلَّ عليه الاستقراء الصحيح لكتاب الله ﷿ بأنَّ إرادة الله ﷿ تنقسم إلى قسمين، إرادة كونية قدرية، وإرادة شرعيَّة دينيَّة.
قال ابن تيمية ﵀: "طريقة أئمة الفقهاء وأهل الحديث وكثير من أهل النظر وغيرهم أنَّ الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة تتعلَّق بالأمر، وإرادة تتعلَّق بالخلق ... فإرادة الأمر هي المتضمِّنة للمحبَّة والرِّضا وهي الإرادة الدينيَّة، والثانية المتعلِّقة بالخلق هي المشيئة وهي الإرادة الكونيَّة القدريَّة" (¬٦).