ومن المتأخرين الذين خاضوا في علم الكلام ولم يرجعوا منه بفائدة، بل وقعوا في الحيرة الإمام الشوكاني فإنه حدَّث عن نفسه فقال: «ها أنا أخبرك عن نفسي، وأوضح لك ما وقعت فيه أمس؛ فإني في أيام الطلب وعنفوان الشباب شغلت بهذا العلم الذي سمّوه تارة علم الكلام، وتارة علم التوحيد، وتارة علم أصول الدين، وأكببت على مؤلفات الطوائف المختلفة منهم، ورُمْت الرجوع بفائدة، والعود بعائدة، فلم أظفر بغير الخيبة والحيرة، وكان ذلك من الأسباب التي حبّبت إليَّ مذهب السلف على أني كنت قبل ذلك عليه، ولكن أردت أن أزداد منه بصيرة وبه شغفًا، وقلت عند ذلك في تلك المذاهب:
وغاية ما حصّلته من مباحثي … ومن نظري من بعد طول التأمل
هو الوقف ما بين الطريقين … حيرة فما علم من لم يلق غير التحير
على أنني قد خضت منه غماره … وما قنعت نفسي بغير التبحر (¬١)
وبهذا يتبين لنا صحة مذهب السلف في باب الأسماء والصفات.