بعض مظاهر النظام والالتزام
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أشكركم على هذا الاجتماع الطيب العطر بوجودكم، وأشكر صاحب الفضيلة الدكتور مسفر بن دماس على الدعوة المسبقة وعلى إتاحة هذه الفرصة، وأعتذر إن لم يكن هناك شيء من الترتيب قبل أن ألتقي بكم، فما كنت أدري بظروف الامتحان أو بترتيب المحاضرات؛ ولكن يشفع لي عندكم الحب الذي أتى بي إليكم.
وأول من أتى بهذا الحب هو معلم البشر ﵊، وهي معجزته الكبرى، فإنه عاش بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلاً، وبين الأبطال مثلاً.
أتى ﵊ بالحب، أول ما هبطت دعوتُه إلى الأرض هبطت بالحب، والله يعلمه ما هو إنتاجه الحضاري في الناس، فأخبره وقال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
فطبيعة البشرية التي بُعث فيها ﵊ والجزيرة العربية ما كانت مجتمعة ولا متآخية ولا متجانسة ولا متآلفة، أمة مبعثرة؛ ينحر الأخ أخاه، ويذبح الابن أباه، ما اجتمعت على ثقافة ولا على حضارة ولا على فن ولا على دم ولا على وطن، فأتى ﵊ يحمل لافتة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤] فصلَّوا وراءه جميعاً وصاموا معه جميعاً وحجوا معه جميعاً، كبَّر في الصلاة فكبروا بعده، وسجد فسجدوا وراءه، ورفع فرفعوا بعده، وكان يقول: ﴿استوُوا -يعلمهم الترتيب والنظام- فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من وراء ظهري﴾.
ثم أخذ هذا الترتيب أصحابُه من بعده ففتحوا الدنيا وهم صفوف في الصلاة، حَضَرَت المعركة في القادسية، فأذَّن المؤذن والمعركة على أوارها وعلى أشُدِّها؛ الرماح تندر في الرءوس، والسيوف تهتك الأكتاف، فقال سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه: استوُوا فلما كبر كبروا بعده، ولما ركع ركعوا بعده، ولما رفع رفعوا بعده، قال رستم قائد فارس: علَّم محمد الكلاب الأدب، بل علم ﷺ الرجال الأدب.