تحكيمه في مواضع النزاع
ومن أعظم لوازم محبته ﷺ تحكيمه في كل موضع نزاع، فلا يقدم قول أحد ولا رأيه ولا اجتهاده ولا نظره، ولا حكمه على قول النبي ﷺ وحكمه، يقول الله ﵎ في هذا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
وهذه الآية كما ذكر ابن القيم ﵀ في شرح المنازل، هذه الآية شملت مراتب الدين الثلاثه، ففيها المقامات الثلاثة: مقام الإسلام ومقام الإيمان ومقام الإحسان، فالتحكيم في مقام الإسلام ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥].
فمن لم يحكم الرسول ﷺ فإنه لا يكون مسلماً، والإيمان في مقام نفي الحرج ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥] فمن انتفى عنه الحرج فهو مؤمن -أي: حكم رسول الله ﷺ وانتفى عنه الحرج بما حكم به النبي ﷺ، فهذا هو المؤمن.
وأعلى من ذلك وأجل هو تحقيق مرتبة الإحسان وهي التسليم المطلق ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] فيسلم المؤمن تسليماً مطلقاً لما حكم به رسول الله ﷺ، ولما أمر ولما أخبر به من خبر فلا يعرضه لا على عقله ولا على رأيه ولا على مذهبه ولا على قول شيخه، ولا على أي مخلوق أو أي فكر بشري.
وإنَّ مما يجب أن ننبه عليه في هذا المقام، هو ذلك المنكر العظيم الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية أو طوائف كبيرة منها مع دعوى محبة النبي ﷺ ومع إظهار بعض الشكليات التي يظنون بها أنهم قد أدوا حقه وأظهروا محبته وزعموها، وذلك هو: تحكيم القوانين الوضعية في شئون حياتهم، ومعارضة سنة النبي ﷺ، وهديه وحكمه وشريعته بتلك الأحكام.
فهذه جرأة على الله، وجرأة على مقام النبوة، بل هي إهدار وحط من مقام الرسالة؛ لأن معنى الشهادة بأن محمداً رسول الله ﷺ هو أن يشهد العبد أن الله ﷾ قد أرسل هذا الرسول إلينا لنطيعه ونتبع أوامره، ونلتزم بكل ما يأمرنا به فيما هو إلا رسول مبلغ من عند الله ﷾.
فالذين يرفضون حكم الله ورسوله ولا يقيمون شرع الله ودينه في أنفسهم ولا في مجتمعاتهم ولا في شئون السياسة أو الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو مناهج التعليم، أو أي ناحية من نواحي الحياة فلا ينفعهم أنهم يقيمون له الموالد أو ينشدون له الأناشيد، أو يحيون ذكريات بدعية في ليلة الإسراء والمعراج وما أشبهها، ويزعمون بعد ذلك أنهم مؤمنون وأنهم يعظمون رسول الله ﷺ.
وربما ذهب بهم الشيطان إلى أبعد من هذا فَعَادوا من يُطبِّق سنة رسول الله ﷺ ويتمسك بها ويقتدي بهديه ﷺ، بحجة أنه مبغض للرسول، أو أنه خارج عن هديه، وينبزونه بأشنع التهم، والألقاب.
فهذا من أعظم المنكرات الدالة على أن هؤلاء الناس تركوا محبة رسول الله ﷺ، فلا يقيمون له وزناً، ولا لرسالته ولا لمقام نبوته ولا لمنزلته عند الله ﷾ الذي فضله الله تعالى بها على العالمين أجمعين.
ولا شك أن هذا مخالف لحال المؤمنين من السلف الكرام والصحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين حالهم كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] فلا اعتراض، ولا منازعة، ولا مدافعة، ولا تردد، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١].
فلا يكون الفلاح إلا لهؤلاء الذين حكَّموا سنته ﷺ في جميع أعمالهم وحركاتهم ولم تكن لهم الخيرة فيما يقضي به ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
فلا اختيار مع أمره ﷺ بل التنفيذ والامتثال، هذه هي لوازم محبته وهذا هو تحقيقها، وقد أمر الله ﵎ تبعاً لذلك بالرد إلى الرسول ﷺ حين قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] والرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه ﷿، إلى هذا الذكر الحكيم، والرد إلى الرسول ﷺ، هو: الرد إلى سنته، بأن يُسأل في حياته ويرجع إليه في الأمور، وبعد مماته يرجع إلى دينه وسنته، وهديه، فلا يكون لأحدٍ إيماناً إلا بذلك، كما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩].
فمن ادَّعى الإيمان والمحبة مع عدم الرد إلى الله ورسوله في مواضع النزاع والاشتباه في أي حال من الأحوال فقد نقض تلك المحبة وهو كاذب في دعواها، ولم يأتِ بلوازمها، ومقتضياتها.
وكما هو معلوم عنه ﷺ في الحديث الثابت: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾، وقد أشار الشراح ﵏ إلى أن هذه اللفظة (عليه أمرنا) فيها الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر بـ (حاكماً أو قاضياً)، من عمل عملاً ليس أمرنا حاكماً عليه أو قاضياً عليه أو خاتماً عليه فهو رد، فمعنى ذلك: أن أعمال العباد يجب أن تكون تحت أمر رسول الله ﷺ، وتحت سنته وهديه وشرعه.
وكذلك في الحديث الآخر يقول ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿فمن رغب عن سنتي فليس مني﴾ فمهما ادَّعى من مدعي محبته ﷺ وهو راغب عن سنته فليس منه.
وأما صحابته الكرام الذين أحبوه ذلك الحب العظيم فإنهم ﵃ كانوا متمسكين بسنته، حريصين على التأدب معه ﷺ، والاقتداء به والاهتداء بهديه، والتأدب معه ﷺ، وعدم التقديم بين يديه.