علاقة اليقين بالإيمان
إن اليقين كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ فيما علقه البخاري: [[الصبر شطر الإيمان، واليقين الإيمان كله]]، وهذا الكلام هو من درر الكلام وغرره، وما أكثر من يتكلم به من السلف الصالح وقد يغفل عنها الكثير والكثير من الذين لا يطالعون سيرهم ولا يتابعون أقوالهم ﵃، فإن هذه العبارة الوجيزة تحمل معانٍ عظيمة جداً، فقد جعل عبد الله ﵁ الصبر شطر الإيمان، ولكنه جعل اليقين الإيمان كله، فلِمَ ذلك؟ الصبر هو حالة تصاحب العابد في عبادته، فهو يرجع إلى قول الله ﵎ في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فالصبر يرجع إلى أي الأمرين؟ يرجع إلى الاستعانة، فاصبر واستعن بالله ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٢٨] إلى آخر ذلك، فيستعين العابد، ويستصحب هذا العمل -وهو عمل قلبي عظيم- في طريقة سلوكه للصراط المستقيم، فيعبد الله ﵎ بالصبر، ففي كل أمر يصبر على طاعة الله، ويصبر عن معصية الله، ويصبر على أقدار الله، لكن اليقين الإيمان كله؛ لأن العبادة لا بد أن تكون عن يقين، وما الصبر إلا ثمرة من ثمرات اليقين، فاليقين يشمل الإيمان كله، ويشمل الدين كله.
ولهذا يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند: ﴿أحب الأعمال إلى الله ﷿، إيمان لا ريب فيه أو لا شك فيه﴾ فهذا هو أحب عمل إلى الله ﷾، وقال بعد ذلك ﴿وجهاد لا غلول فيه، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة﴾.
فأحب الأعمال إلى الله هو الإيمان الذي لا ريب فيه ولا شك فيه، وهو الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين، فلذلك كان حقاً أن اليقين هو الإيمان، وهو الدين كله، ويشهد لذلك أن النبي ﷺ عندما وعد من شهد أن لا إله إلا الله بالجنة وأن يحرمه على النار، جعل ذلك مقترناً باليقين كما هو مقترن بالإخلاص، كما في قوله ﷺ، في قصة غزوة تبوك عندما اشتد الأمر على الصحابة ﵃، فأرادوا أن يذبحوا جمالهم ليأكلوا منها، فقال عمر ﵁ ﴿يا رسول الله: لو جمعت الطعام الذي عند المسلمين ثم دعوت الله ﵎ فيبارك الله تعالى فيه، ففعل رسول الله ﷺ بمشورته، فبارك الله لهم في طعامهم وتزودوا جميعاً﴾، ثم قال ﷺ: ﴿أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد مستيقناً بهما غير شاك إلا دخل الجنة﴾، فهذا معنى ذلك.
ففي مثل هذه الحالة -حالة اليقين- من رأى آية من آيات الله، كما رأى الصحابة الكرام أمام أعينهم، فمن أيقن بذلك فقد شهد أن لا إله إلا الله حقاً، فلا بد أنه في هذه الحالة قد كَمُل إيمانه، فأصبح حقاً أن اليقين هو الإيمان كله.
وكذلك في قصة وفاة معاذ ﵁ وهي أيضاً قصة صحيحة رواها الإمام أحمد ﵁ بسند ثلاثي صحيح، عن جابر ﵁، يقول جابر ﵁: ﴿أنا ممن حضر معاذاً ﵁ عند موته، قال: ارفعوا عني سجف القبة -طرف القبة ليخاطب الناس- ارفعوا عني أحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ، ما منعني أن أحدثكم به إلا أن تتكلوا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله موقناً بها من قلبه دخل الجنة﴾، وقال في رواية: ﴿حرم على النار من شهد أن لا إله إلا الله موقناً بها من قلبه﴾ فهكذا يبلغ اليقين في أصحابه، وهذا هو اليقين الذي يمحو كل شبهة ويمحو كل شهوة، فيصبح الإنسان ذا قلب أجرد أزهر يتلألأ نوراً بما نوره الله ﵎.