بل هو عندهم غاية التحقيق والتوحيد ثم ظنوا أن الحلاج وقع في هذا الفناء الذي يسمونه توحيدا (¬١)؛ ولذلك خرجت منه مثل هذه الكلمات والأقوال الكفرية كقوله: (أنا الحق) ونحوها من العبارات، فحال الحلاج من جنس حال أهل الفناء، فإن العبد قد يفنى عن شهود ذاته، ولا يشهد إلا الحق بأسمائه وصفاته، فيتكلم الحق على لسانه، فيوحد نفسه بنفسه، فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله هو الموحد لنفسه لا العبد، ويفرقون بين قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحاني. فإن فرعون قال ذلك: وهو يشهد نفسه فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن نفوسهم وكان الناطق على لسانهم غيرهم" (¬٢).
قال شيخ الإسلام ﵀ في بيانه لهذا الأمر: «حتى إن كثيراً من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد، وهو أن يكون الموحّد هو الموحَّد، وينشدون (¬٣):
ما وحد الواحد من واحد … إذ كل من وحده جاحد
توحيد من يخبر عن نعته … عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده … ونعت من ينعته لاحد» (¬٤)