المطلب الثالث: يثبته الله عند الموت وفي القبر:
من صدق مع الله وحقق أعمال القلب، وصلحت سريرته، وآمن حق الإيمان، فإن الله يوفقه لحسن الخاتمة، فيثبته عند الموت لينطق بكلمة التوحيد، ويثبته عند سؤال الملكين، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
قال البغوي ﵀: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني قبل الموت، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير.
وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ عند السؤال في القبر، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ عند البعث.
والأول أصح" (¬١).
أي: يثبت الله عبده المؤمن الذي حقق إيمانه باطنًا وظاهرًا؛ ليقول كلمة التوحيد عند موته، ويثبته الله في قبره؛ لينطق الإجابة الصحيحة على أسئلة الملائكة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن الرجل الذي بعث فيكم؟ فيثبته الله بالقول الثابت، كما في حديث البراء بن عازب ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ