المبحث الأول: التعلق بمطامع الدنيا والتنازل عن الأصول من أجلها
سبق الكلام عن الحياة الدنيا بتفصيل (¬١)، وأضيف إليه هنا فأقول: لقد حذر النبي ﷺ أمته من خطر التعلق بالدنيا والمنافسة عليها، وبين ﷺ أثر التنافس على الدنيا، وأن نتيجته الهلاك في أودية الدنيا وشعابها، والإلهاء عما خلقوا له، فعن عمرو بن عوف الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «فَوَاللهِ، مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (¬٢)، وفي رواية للبخاري: «وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُم» (¬٣).
وعلى الداعية أن ينقذ الناس من فتنة الدنيا بقوله وفعله، وأن يكون قدوة حسنة في تخففه منها، فأما إذا كان من المتعلقين بمطامع الدنيا وزهرتها والمنافسين فيها، فقد يبتلى بزيغ القلب، ويصير فتنة لكل مفتون، وهذا لا يحصل إلا إذا حصل الخلل في الأعمال القلبية، وذلك حين امتلأ القلب بحب الدنيا، فغفل عن الآخرة.
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْرَ وَنَتَخَوَّفُهُ، فَقَالَ: «آلْفَقْرَ تَخَافُونَ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا صَبًّا، حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْب أَحَدِكُمْ إِزَاغَةً إِلَّا هِيهْ، وَايْمُ اللَّهِ، لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ» (¬٤).