نزَّلوا أنفسهم (¬١) أَوضع منزلٍ، كأنهم قالوا: إن لم نَستوجِب معاملة البيع والشراء، فقد استَوجَبنا بذل العطاء، وعلى الله المكافأة والجزاء ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أحسن الجزاء.
والتصدُّق: التفضُّل مطلَقًا، ومنه قوله ﵇ في القصر: "هذه صدقة تصدَّق الله عليكم فاقبَلوا صدقته" (¬٢)، لكنه اختصَّ عُرفًا بما يُبتغى به ثوابٌ من الله تعالى.
* * *
(٨٩) - ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ سؤالٌ عن الملزوم وإرادة اللازم، أي: هل تبتم عن ذلك ورجعتم إلى الله تعالى؟ فهو شفقةٌ عليهم وتنصُّحٌ لهم في الدِّين كما هو عادة الأنبياء ﵈، لا معاتبةٌ.
والتثريب: إيثار الحق لله تعالى على حق نفسه، ولذلك قال: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]، فلا يناسب تقديرَ القبح على أن يكون المعنى: هل علمتم قبحَ ما فعلتم؛ لأنَّه لا يخلو عن نوعِ توبيخ وتثريبٍ.
والمراد من فعلهم بأخيه: إفرادهم (¬٣) إياه عنه، وإذلاله حتى كان لا يستطيع أن يكلِّمهم إلا بعجزٍ وذلة.
﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ عاقبتَه، فلذلك أقدَمْتُم عليه، وإنما قال ذلك اعتذارًا