والحديثُ الأولُ يَرُدُّ هذا التأويل، فإنه يَدُلُّ على كون تلك الحقوق ما يتعلَّقُ بالدار، وهي حقوق الشُّفْعَةِ. وأجاب بعضُ الحنفية عن حديث الباب بجوابٍ غير صحيحٍ، فراجعه من الهامش. والجواب عندي: أنه لا ريب أن الحديثَ جعل للجارِ وللشريكِ حقوقًا، ولكنه سمَّى حقوقَ
= الطُّرُق كانت مُشتَرَكَةً، فصريحُ القصة يُخَالِفُ تأويل الشافعي هذا بمذهبه. وقد جاء ذلك مُصَرَّحًا في قوله: حديث جابر المذكور بعد: "الجار أحقُّ بشفعة أخيه"، إذا كان طريقهما واحدًا. وقد أَخَرَجَ النَّسائيُّ في "سننه" عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمَة، عن الفضل بن موسى، عن حرب بن أبي العالية، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر: "أن النبيَّ ﷺ قضى بالشُّفْعَةِ بالجوار"، وهذا سندٌ صحيحٌ.
وتأويلُ الشافعي "الجار": بالشريك، يَرُدُّه ما أخرجه ابن أبي شَيبَة، عن أبي أُسَامة، عن حسين المعلِّم، عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشَّريدِ، عن أبيه: قلتُ: يا رسول الله، أرضٌ ليس لأحدٍ فيها قَسَمٌ، ولا شريكَ إلا الجوار، قال: الجارُ أحقُّ بِصَقَبِهِ، ما كان". وأخْرَجَ الطحاويُّ هذا الحديث، ولفظه: "ليس فيها لأحدٍ شِرْبٌ، ولا قسمٌ إلَّا الجوار". فهذا تصريحٌ بوجوبها لجوارٍ لا شركةَ فيه، فَدلَّ على أن الجارَ المُلَازِقَ تَجِبُ له الشُّفْعَةُ، وإن لم يَكُنْ شريكًا.
وقال ابن جرير: رواه عمرو بن شُعَيب، عن سعيد بن المُسَيِّب، عن الشَّرِيد بن سُوَيد -من حَضرَمَوْت- أنه ﵇، قال: "الجارُ، والشريكُ أحقُّ بالشُّفْعَةِ ما كان يأخذها أو يَتْرُك"، فظاهرُ عطف الشريك على الجار يقتضي أن الجارَ غيرُ شريكٍ. وأخرج ابن حِبَّان في "صحيحه" حديث: "الجارُ أحقُّ بصَقَبِهِ" من حديث أبي رَافِع، وأنس، عن النبيِّ ﷺ. وأخرج أيضًا عن أنس أنه ﵊ قال: "جارُ الدَّارِ أحقُّ بالدار". وأخرجه النسائيُّ أيضًا.
وعن الحسن، عن سَمرَة بن جُنْدُب، عن النبيِّ ﷺ، قال: جارُ الدَّار أحقُّ بدار الجار"، أخرجه أبو داود، والنَّسائي، والترمذي، وقال: حسنٌ صحيحٌ.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الهبة: أن الحاكم ذكر في أثناء كتاب البيوع من "المستدرك" حديثًا من رواية الحسن، عن سَمُرَة، ثم قال: قد احتجَّ البخاريُّ بالحسن، عن سَمُرَة. وفي "مصنَّف ابن أبي شيبة"، في كتاب أقضيته ﵇: حدثنا جرير، عن منصور، عن الحَكَم، عن علي، وعبد الله، قالا: "قضى رسول الله ﷺ بالشُّفْعَةِ للجوار". وفي "التهذيب" لابن جرير الطبريِّ: رَوَى موسى بن عُقْبَةَ، عن إسحاق بن يحيى، عن عُبَادة بن الصَّامِت": أن النبي ﷺ قضى: أن الجارَ أحقُّ بِصَقَبِ جاره".
وأخرج ابن جرير أيضًا بسنده عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، قال: "قال رسولُ الله ﷺ: "إذا أراد أحدُكم أن يَبِيعَ عَقَارَهُ، فَليَعْرِضْهُ على جاره". فظهر بمجموع هذه الأحاديث أن للشُّفْعَةِ ثلاثة أسبابٍ: الشركةُ في نفس المبيع، ثم في الطريق، ثم في الجوار. فظاهر قوله ﵊: "جارُ الدَّارِ أحقُّ بالدار"، من يأخذ الدارَ كلَّها، وليس ذلك إلَّا الجار. وأمَّا الشريكُ، فإنه يأخذ بعضَها. ولأن الشُّفْعَةَ إنما وَجَبَتْ لأجل التأذِّي الدائم، وذلك موجودٌ للجار أيضًا. ولو وَجَبَت لأجل الشركة، لوَجَبَتْ في سائر العروض. فلمَّا لم تَجِبْ إلَّا في العَقَار، عَلِمنَا أن سببَ الوجوبِ هو التأذِّي.
وحكى الطبريُّ: أن القولَ بِشُفْعَةِ الجوار هو قول الشعبيِّ، وشُرَيْح، وابن سِيرِين، والحَكَم، وحَمَّاد، والحسن، وطاوس، والثَّورِيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابه. وفي "الاستذكار": رَوَى ابن عُيَيْنَة، عن عمر بن دِينَار، عن أبي بكر بن حَفْص بن عمر بن سعد بن أبي وَقَّاص: "أن عُمَرَ كَتَبَ إلى شُرَيح أن اقضِ أن الشُّفْعَةَ للجار، فكان يقضي بها".
وسُفْيَان، عن إبراهيم بن مَيسَرة، قال: "كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: إذا حُدَّتِ الحدود، فلا شُفْعَةَ، قال إبراهيم: فَذَكَرْتُ ذلك لطاوس، فقال: لا، الجارُ أحقُّ". "الجوهر النقي" مختصرًا. وقد تكلَّم عليه العينيُّ أبسط منه، فراجعه. وأجاب عن إيرادات الخصوم مع ما تكلَّم في سماع الحسن، عن سَمُرَة، تركناه مخافةً للإِطناب.