Kitab tafsir: Tafsir ar-Razi
· Pengarang: الفخر الرازي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة الكوثر
ثلاث آيات مكية
[سورة الكوثر (١٠٨) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١)
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ عَلَى اخْتِصَارِهَا فِيهَا لِطَائِفُ: إِحْدَاهَا: أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كَالْمُقَابِلَةِ لِلسُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي السُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُنَافِقَ بِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ: أَوَّلُهَا: الْبُخْلُ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [الْمَاعُونِ: ٢، ٣] الثَّانِي: تَرْكُ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: ٥] والثالث: المراءاة في الصلاة هو المراد من قوله: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ [الْمَاعُونِ: ٦] وَالرَّابِعُ: الْمَنْعُ مِنَ الزَّكَاةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ [الْمَاعُونِ: ٧] فَذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي مُقَابَلَةِ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ صِفَاتٍ أَرْبَعَةً، فَذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ الْبُخْلِ قَوْلَهُ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أَيْ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَثِيرَ، فَأَعْطِ أَنْتَ الْكَثِيرَ وَلَا تَبْخَلْ، وَذَكَرَ فِي مقابلة: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قَوْلَهُ:
فَصَلِّ أَيْ دُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَذَكَرَ في مقابلة: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ قَوْلَهُ: لِرَبِّكَ أَيِ ائْتِ بِالصَّلَاةِ لِرِضَا رَبِّكَ، لَا لِمُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَذَكَرَ فِي مُقَابَلَةِ: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قَوْلَهُ: وَانْحَرْ وَأَرَادَ بِهِ التَّصَدُّقَ بِلَحْمِ الْأَضَاحِيِّ، فَاعْتَبِرْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ الْعَجِيبَةَ، ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أَيِ الْمُنَافِقُ الَّذِي يَأْتِي بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تِلْكَ السُّورَةِ سَيَمُوتُ وَلَا يَبْقَى مِنْ دُنْيَاهُ أَثَرٌ وَلَا خَبَرٌ، وَأَمَّا أَنْتَ فَيَبْقَى لَكَ فِي الدُّنْيَا الذِّكْرُ الْجَمِيلُ، وَفِي الْآخِرَةِ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي لَطَائِفِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ السَّالِكِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: أَعْلَاهَا أَنْ يَكُونُوا مُسْتَغْرِقِينَ بِقُلُوبِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ فِي نُورِ جَلَالِ اللَّهِ وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونُوا مُشْتَغِلِينَ بِالطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَثَالِثُهَا:
أَنْ يَكُونُوا فِي مَقَامِ مَنْعِ النَّفْسِ عَنِ الِانْصِبَابِ إِلَى اللَّذَّاتِ الْمَحْسُوسَةِ وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةِ فَقَوْلُهُ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَقَامِ الْأَوَّلِ/ وَهُوَ كَوْنُ رُوحِهِ الْقُدُسِيَّةِ مُتَمَيِّزَةً عَنْ سَائِرِ الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ بِالْكَمِّ وَالْكَيْفِ.
أَمَّا بِالْكَمِّ فَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مُقَدِّمَاتٍ، وَأَمَّا بِالْكَيْفِ فَلِأَنَّهَا أَسْرَعُ انْتِقَالًا مِنْ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ إِلَى النَّتَائِجِ مِنْ سَائِرِ الْأَرْوَاحِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ: وَانْحَرْ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، فَإِنَّ مَنْعَ النَّفْسِ عَنِ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ جَارٍ مُجْرَى النَّحْرِ وَالذَّبْحِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّفْسَ الَّتِي تَدْعُوكَ إِلَى طَلَبِ هَذِهِ الْمَحْسُوسَاتِ وَالشَّهَوَاتِ الْعَاجِلَةِ، أَنَّهَا دَائِرَةٌ فَانِيَةٌ، وَإِنَّمَا الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عند
Juz 32, halaman 307 ›
رَبِّكَ، وَهِيَ السَّعَادَاتُ الرُّوحَانِيَّةُ وَالْمَعَارِفُ الرَّبَّانِيَّةُ الَّتِي هِيَ بَاقِيَةٌ أَبَدِيَّةٌ. وَلْنَشْرَعِ الْآنَ فِي التَّفْسِيرِ قوله تعالى:
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [في قوله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ] اعْلَمْ أَنَّ فِيهِ فَوَائِدَ:
الْفَائِدَةُ الْأُولَى: أَنَّ هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وَكَالْأَصْلِ لِمَا بَعْدَهَا مِنَ السُّوَرِ. أَمَّا أَنَّهَا كَالتَّتِمَّةِ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ السُّوَرِ، فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ سُورَةَ وَالضُّحَى فِي مَدْحِ مُحَمَّدٍ ﵊ وَتَفْصِيلِ أَحْوَالِهِ، فَذَكَرَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ تَتَعَلَّقُ بِنُبُوَّتِهِ أَوَّلُهَا: قوله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى، وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ:
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى [الضُّحَى: ٤] وثالثها: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ ﵇ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَهِيَ قَوْلُهُ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [الضُّحَى: ٦- ٨] .
ثُمَّ ذَكَرَ فِي سُورَةِ: أَلَمْ نَشْرَحْ أَنَّهُ شَرَّفَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَوَّلُهَا: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَثَانِيهَا:
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وثالثها: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى شَرَّفَهُ فِي سُورَةِ التِّينِ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ التَّشْرِيفِ أَوَّلُهَا: أَنَّهُ أَقْسَمَ ببلده وهو قوله: وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ، وَثَانِيهَا: أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ خَلَاصِ أُمَّتِهِ عَنِ النار وهو قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، وَثَالِثُهَا: وُصُولُهُمْ إِلَى الثَّوَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.
ثُمَّ شَرَّفَهُ فِي سُورَةِ اقْرَأْ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ من التشريفات أولها: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أَيِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى الْحَقِّ مُسْتَعِينًا بِاسْمِ رَبِّكَ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ قَهَرَ خَصْمَهُ بِقَوْلِهِ: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ خَصَّهُ بِالْقُرْبَةِ التَّامَّةِ وَهُوَ: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ.
وَشَرَّفَهُ فِي سُورَةِ الْقَدْرِ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي لَهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْفَضِيلَةِ أَوَّلُهَا: كَوْنُهَا خيرا من ألف شهر، وثانيها: نزول الملائكة والروح فيها وثالثها: كونها: سلاما حتى مطلع الفجر.
وَشَرَّفَهُ فِي سُورَةِ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ شَرَّفَ أُمَّتَهُ بِثَلَاثَةِ تَشْرِيفَاتٍ أَوَّلُهَا: أَنَّهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ وثانيها: أن جزاؤهم عند ربهم جنات، وثالثها: رضا اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَشَرَّفَهُ فِي سُورَةِ إِذَا زُلْزِلَتْ بِثَلَاثِ تَشْرِيفَاتٍ: أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَرْضَ تَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأُمَّتِهِ بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالثَّانِي: قَوْلُهُ: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ طَاعَاتُهُمْ فَيَحْصُلُ لَهُمُ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ، وَثَالِثُهَا: قَوْلِهِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ لَا شَكَّ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ عَظِيمٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَصِلُوا إِلَى ثَوَابِهَا ثُمَّ شَرَّفَهُ فِي سُورَةِ الْعَادِيَاتِ بِأَنْ أَقْسَمَ بِخَيْلِ الْغُزَاةِ مِنْ أُمَّتِهِ فَوَصَفَ/ تِلْكَ الْخَيْلَ بِصِفَاتٍ ثَلَاثٍ: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً.
ثُمَّ شَرَّفَ أُمَّتَهُ فِي سُورَةِ الْقَارِعَةِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَوَّلُهَا: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَعْدَاءَهُمْ في نار حامية.
في شَرَّفَهُ فِي سُورَةِ أَلْهَاكُمْ بِأَنْ بَيَّنَ أَنَّ الْمُعْرِضِينَ عَنْ دِينِهِ وَشَرْعِهِ يَصِيرُونَ مُعَذَّبِينَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَوَّلُهَا:
أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْجَحِيمَ وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ يَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ عن النعيم.
Juz 32, halaman 308 ›
ثُمَّ شَرَّفَ أُمَّتَهُ فِي سُورَةِ وَالْعَصْرِ بِأُمُورٍ ثلاثة أولها: الإيمان: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، وَثَانِيهَا: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَثَالِثُهَا: إِرْشَادُ الْخَلْقِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَهُوَ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالتَّوَاصِي بِالصَّبْرِ.
ثُمَّ شَرَّفَهُ فِي سُورَةِ الْهُمَزَةِ بِأَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ هَمَزَ وَلَمَزَ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ أَوَّلُهَا: أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِدُنْيَاهُ الْبَتَّةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يُنْبَذُ فِي الْحُطَمَةِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَبْوَابُ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ رَجَاءٌ فِي الْخُرُوجِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ.
ثُمَّ شَرَّفَهُ فِي سُورَةِ الْفِيلِ بِأَنْ رَدَّ كَيْدَ أَعْدَائِهِ فِي نَحْرِهِمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَوَّلُهَا: جَعَلَ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَثَانِيهَا: أَرْسَلَ عليهم طيرا أبابيل وثالثها: جعلهم كعصب مَأْكُولٍ.
ثُمَّ شَرَّفَهُ فِي سُورَةِ قُرَيْشٍ بِأَنَّهُ رَاعَى مَصْلَحَةَ أَسْلَافِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَوَّلُهَا: جَعَلَهُمْ مُؤْتَلِفِينَ مُتَوَافِقِينَ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ وَثَانِيهَا: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.
وَشَرَّفَهُ فِي سُورَةِ الْمَاعُونِ بِأَنْ وَصَفَ الْمُكَذِّبِينَ بِدِينِهِ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ أَوَّلُهَا: الدَّنَاءَةُ وَاللُّؤْمُ وَهُوَ قَوْلُهُ: يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وَثَانِيهَا: تَرْكُ تَعْظِيمِ الْخَالِقِ وَهُوَ قَوْلُهُ: عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَثَالِثُهَا: تَرْكُ انْتِفَاعِ الْخَلْقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ.
ثُمَّ إِنَّهُ ﷾ لَمَّا شَرَّفَهُ فِي هَذِهِ السُّوَرِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْعَظِيمَةِ قَالَ بَعْدَهَا: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أَيْ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ هَذِهِ الْمَنَاقِبَ الْمُتَكَاثِرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي السُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا أَعْظَمُ مِنْ ملك الدنيا بحذافيرها، فاشتغل أنت بعبادة هذه الرَّبِّ وَبِإِرْشَادِ عِبَادِهِ إِلَى مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُمْ، أَمَّا عِبَادَةُ الرَّبِّ فَإِمَّا بِالنَّفْسِ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَإِمَّا بِالْمَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَانْحَرْ وَأَمَّا إِرْشَادُ عِبَادِهِ إِلَى مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فَهُوَ قَوْلُهُ: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كَالتَّتِمَّةِ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ السُّورِ، وَأَمَّا أَنَّهَا كَالْأَصْلِ لِمَا بَعْدَهَا فَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُهُ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ بأن يكفر جميع أهل الدنيا بقوله: يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَسْفَ النَّاسِ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ أَشَدُّ مِنْ عَسْفِهِمْ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَبْذُلُونَ أَمْوَالَهُمْ وَأَرْوَاحَهُمْ فِي نُصْرَةِ أَدْيَانِهِمْ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الطَّعْنُ فِي مَذَاهِبِ النَّاسِ يُثِيرُ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْغَضَبِ مَا لَا يُثِيرُ سَائِرُ الْمَطَاعِنِ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِأَنْ يُكَفِّرَ جَمِيعَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَيُبْطِلَ أَدْيَانَهُمْ لَزِمَ أَنْ يَصِيرَ جَمِيعُ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي غَايَةِ الْعَدَاوَةِ لَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا يَحْتَرِفُ عَنْهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فَلَا يَكَادُ يُقْدِمُ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ إِلَى مُوسَى ﵇ كَيْفَ/ كَانَ يَخَافُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَسْكَرِهِ. وأما هاهنا فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﵇ لَمَّا كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الدُّنْيَا، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلْقِ، كَفِرْعَوْنَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَدَبَّرَ تَعَالَى فِي إِزَالَةِ هَذَا الْخَوْفِ الشَّدِيدِ تَدْبِيرًا لَطِيفًا، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّمَ عَلَى تِلْكَ السُّورَةِ هَذِهِ السُّورَةَ فَإِنَّ قَوْلَهُ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ الْخَوْفَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أَيِ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَعْدًا مِنَ الله إياه بالنصرة والحفظ وهو كقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [الْأَنْفَالِ: ٦٤] وَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [الْمَائِدَةِ: ٦٧] وَقَوْلِهِ: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التَّوْبَةِ: ٤٠] وَمَنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى ضَامِنًا لِحِفْظِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْشَى أَحَدًا وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ وَهَذَا اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا وَخَيْرَاتِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا مَا كَانَتْ وَاصِلَةً إِلَيْهِ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَالْخُلْفُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تعالى
Juz 32, halaman 309 ›
Pembahasan ayat ini masih 7 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.