في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخا عادٍ،﴾ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ﴾ ويدل للثاني، ما صرح به في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ﴾ أو هو مفعول به لهذا المقدر، ورجحه ابن هشام في المغني، وذكر الأول أيضا. ﴿نادى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّكَ:﴾
فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَنِ:﴾ حرف مصدري. ﴿اِئْتِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «أنت»، و ﴿أَنِ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن ائت. هذا؛ وأرجح اعتبار (أن) حرف تفسير، والجملة الفعلية مفسرة للفعل نادى، وشرط التفسير موجود هنا، وهو سبق «أن» بجملة فيها معنى القول دون حروفه. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
﴿قَوْمَ:﴾ بدل من ﴿الْقَوْمَ،﴾ أو عطف بيان عليه، و ﴿قَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿نادى رَبُّكَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿أَلا:﴾ حرف تنبيه واستفتاح، يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. وقيل: هي حرف عرض، وقيل: الهمزة حرف استفهام معناه التعجب، و (لا) نافية، ولا وجه له البتة. ﴿يَتَّقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقال النسفي:
ويحتمل: أنها في محل نصب حال من الضمير في ﴿الظّالِمِينَ﴾ أي: يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال، والكلام ﴿وَإِذْ نادى..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أي: قال موسى: يا رب. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ أي: في دعوى الرسالة. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ أي: بسبب تكذيبهم إياي. ﴿وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي:﴾ بأداء الرسالة للعقدة التي فيه بسبب وضع الجمرة عليه، وهو صغير لمّا نتف لحية فرعون، فغضب منه، وأراد قتله، فأشارت عليه زوجته، أن يختبره، فقدم له تمرة، وجمرة، فأخذ الجمرة، ووضعها على لسانه، فحصل فيه ثقل في النطق. ﴿فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ﴾ أي: أرسل جبريل إلى هارون، واصطفيه رسولا مثلي. ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ:﴾ المراد بالذنب هنا: قتل القبطي على ما يأتي بيانه في سورة (القصص) إن شاء الله تعالى. ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلوني قصاصا به، وفي هذا دليل واضح على أن
Juz 6, halaman 543 ›
الخوف قد يصحب الأنبياء، والفضلاء، والأولياء مع معرفتهم بالله، وأن لا فاعل إلا هو؛ إذ قد يسلط من شاء على من شاء.
قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: رتب استدعاء ضم أخيه إليه، وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة: خوف التكذيب، وضيق الصّدر انفعالا عنه، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق؛ لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين، يقوي قلبه، وينوب منابه متى تعتريه حبسته، حتى لا تختل دعوته، ولا تبتر حجته، وليس ذلك تعللا منه، وتوقفا في تلقي الأمر، بل طلبا لما يكون معونة على امتثاله، وتمهيد عذره فيه. انتهى.
كيف لا وقد صرح بذلك في قوله: ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وما أحراك أن تنظر الآيات رقم [٢٥] وما بعدها من سورة (طه).
هذا؛ وقد كان هارون ﵇، أكبر من موسى، وأفصح لسانا منه، وأجمل، وأوسم، وكان أبيض اللون، وكان موسى آدم اللون، أقنى، أجعد، وكان هارون ألين عريكة من موسى، على نبينا وحبيبنا وعليهم جميعا ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام.
هذا؛ وأصل الخوف: انزعاج في الباطن يحصل من توقع مكروه يقع في المستقبل. وأما التخوف؛ فإنه يأتي بمعنى التّنقّص، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ الآية رقم [٤٧] من سور النحل، يروى: أن الفاروق-﵁-قال على المنبر:
ما تقولون في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ؟﴾ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل، وقال: هذه لغتنا: التّخوّف: التّنقّص، قال عمر-﵁: فهل تعرف العرب هذا في أشعارهم؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [البسيط]
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا... كما تخوّف عود النّبعة السّفن
فقال عمر-﵁: أيها الناس! عليكم بديوانكم لا تضلوا! قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم. وانظر ما ذكرته في الشعراء والشعر في الآية رقم [٢٢٤] الآتية. هذا؛ ويأتي الخوف بمعنى العلم، وبه قيل في قوله تعالى:
﴿فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً..﴾. إلخ الآية رقم [١٨٢] من سورة (البقرة)، وفي قوله تعالى:
﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ..﴾. إلخ الآية رقم [٢٢٩] من سورة (البقرة)، بعد هذا انظر شرح: ﴿ذَنْبٌ﴾ في الآية رقم [٥٨] من سورة (الفرقان)، وشرح ﴿رَبِّ﴾ في الآية رقم [٩٤] من سورة (المؤمنون).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى موسى، تقديره: هو. ﴿رَبِّ:﴾ منادى مضاف، حذفت منه أداة النداء، وانظر الآية رقم [١٦٩] الآتية. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره:
Juz 6, halaman 544 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.