منقطع، التقدير: لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا. وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى في سورة (الدخان): ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْأُولى:﴾ صفة (الموتة) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما نحن بمعذبين) إعرابها مثل إعراب (ما نحن بميتين) وهي معطوفة عليها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ:﴾
صفة له. والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن كان الضمير فصلا، لا محل له؛ فخبر: ﴿إِنَّ﴾ هو: ﴿الْفَوْزُ،﴾ ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر؛ فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر. وأصلها أن تدخل على المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ تحتمل أن تكون من قول الله تعالى، وأن تكون من قول المؤمن.
﴿لِمِثْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. و (مثل) مضاف، و ﴿هذا﴾ مضاف إليه، فهو اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿فَلْيَعْمَلِ:﴾ الفاء:
هي الفصيحة. اللام: لام الأمر. (يعمل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْعامِلُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط مقدر ب: «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا فليعمل العاملون لمثله. والكلام مثل سابقه يحتمل أن يكون من قول الله تعالى، وأن يكون من قول المؤمن.
﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥)﴾
الشرح: لما ذكر الله تعالى ما أعده للأبرار في دار النعيم؛ ذكر ما أعده للأشرار في دار الجحيم، وذلك من باب المقابلة، والمقارنة؛ ليظهر التمييز بين الفريقين.
﴿أَذلِكَ خَيْرٌ..﴾. إلخ: أي: أهذا الذي ذكر من نعيم الجنة، وما فيها من ماكل، ومشارب، ومناكح، وغير ذلك من الملاذ خير ضيافة، وعطاء، أم شجرة الزقوم؛ التي في جهنم؟!. هذا؛ والنزل: ما يهيأ من الطعام، والشراب، والإكرام للنازل، قال أبو السعد الضبي، وقد استعار ما يعد للضيف النازل لما يفعله بالأعداء الهاجمين على قومه وعليه: [الطويل]
وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
Juz 8, halaman 38 ›
و ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها، ونتنها، وهي تحيا بلهب النار، كما تحيا الشجرة في الدنيا بالماء البارد. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا؛ التي تعرفها العرب، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل.
وفي القاموس المحيط: نبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل. القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من إفريقية، فسألوه، فقال: هو عندنا الزّبد، والتمر. فقال ابن الزّبعرى: أكثر الله في بيوتنا الزقوم.
فقال أبو جهل الخبيث لجاريته: هاتي زقّمينا، فأتته بزبد، وتمر، ثم قال لأصحابه: تزقّموا هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم: أن النار تنبت الشجر؛ والنار تحرق الشجر. انتهى. قرطبي.
هذا وفي ذلك دلالة واضحة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة إنما هو بمنزلة ما يهيأ للضيف النازل على غيره، ولهم فيما وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وكذلك الزقوم بمنزلة ما يهيأ للضيف النازل، ولأهل النار فيما وراء ذلك من المقت والسخط والعذاب الأليم والعقاب الشديد ما ذكرته الآيات القرآنية في كل موطن من مواطن الكلام على أهل النار.
﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ:﴾ وذلك: أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، وهي تحرق الشجر؟! والمراد: بالظالمين: المشركين هنا، والفتنة: الاختبار، والابتلاء، وكان هذا القول منهم جهلا؛ إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال، والقيود، والحيات، والعقارب، وخزنة جهنم. ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ:﴾ قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع في دركاتها. ﴿طَلْعُها﴾ أي:
ثمرها، والطلع أصله للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم، من حملها؛ إما استعارة معنوية، أو لفظية، وتشبيهه برؤوس الشياطين، دلالة على تناهيه في الكراهية، وقبح المنظر؛ لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم: أنه شر محض، لا يخالطه خير، فيقولون في قبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون؛ جاؤوا بصورته على أقبح ما يقدر، وأهوله، كما أنهم إذا اعتقدوا في الملك الخير المحض، ولا شر فيه فشبهوا به الصورة الحسنة. فقد حكى الله تعالى على النسوة اللاتي قلن في وصف يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وهذا تشبيه تخييلي، روي معناه عن ابن عباس، والقرظي، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وإن كانت الغول لا تعرف، ولكن لما تصوّر من قبحها في النفوس، وذلك من باب التمثيل، والتخييل، وذلك: أن كل ما يستقبح في الطباع، والصورة يشبّه بما يتخيله الوهم، وإن لم يره.
Juz 8, halaman 39 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.