Kitab tafsir: Tafsir al-Qurthubi
· Pengarang: القرطبي
الْمَوَارِيثِ فَيُقِرُّ بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى النَّعْتِ لجنات. قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يُرِيدُ فِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ فَلَمْ يَقْسِمْهَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَا (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) أَيْ يُخَالِفُ أَمْرَهُ (يُدْخِلْهُ نَارًا خالِداً فِيها) وَالْعِصْيَانُ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْكُفْرُ فَالْخُلُودُ عَلَى بَابِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْكَبَائِرُ وَتَجَاوُزُ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْخُلُودُ مُسْتَعَارٌ لِمُدَّةٍ مَا. كَمَا تَقُولُ: خَلَّدَ اللَّهُ مُلْكَهُ. وَقَالَ زُهَيْرٌ:
وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَالُ الرَّوَاسِيَا «١»
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ (نُدْخِلْهُ) بِالنُّونِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، عَلَى مَعْنَى الْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ. الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ كِلَاهُمَا، لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
[سورة النساء (٤): آية ١٥]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥)
فِيهِ ثَمَانِ مَسَائِلَ: الْأُولَى- لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْإِحْسَانَ إِلَى النِّسَاءِ وَإِيصَالَ صَدُقَاتِهِنَّ إِلَيْهِنَّ، وَانْجَرَّ الْأَمْرُ إِلَى ذِكْرِ مِيرَاثِهِنَّ مَعَ مَوَارِيثِ الرِّجَالِ، ذَكَرَ أَيْضًا التَّغْلِيظَ عَلَيْهِنَّ فِيمَا يَأْتِينَ بِهِ مِنَ الْفَاحِشَةِ، لِئَلَّا تَتَوَهَّمَ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ يَسُوغُ لَهَا تَرْكُ التَّعَفُّفِ. الثَّانِيةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللَّاتِي) (اللَّاتِي) جَمْعُ الَّتِي، وَهُوَ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِلْمُؤَنَّثِ، وَهِيَ مَعْرِفَةٌ وَلَا يَجُوزُ نَزْعُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنْهُ لِلتَّنْكِيرِ، وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِصِلَتِهِ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَيُجْمَعُ أَيْضًا (اللَّاتِ) بِحَذْفِ الْيَاءِ وَإِبْقَاءِ الْكَسْرَةِ، وَ (اللَّائِي) بِالْهَمْزَةِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَ (اللَّاءِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَحَذْفِ الْيَاءِ، وَ (اللا) بحذف الهمزة. فإن
Juz 5, halaman 82 ›
جَمَعْتَ الْجَمْعَ قُلْتَ فِي اللَّاتِي: اللَّوَاتِي، وَفِي اللَّاءِ: اللَّوَائِي. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ (اللَّوَاتِ) بِحَذْفِ الْيَاءِ وَإِبْقَاءِ الْكَسْرَةِ، قَالَهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ:
مِنَ اللَّوَاتِي وَالَّتِي واللات ... زَعَمْنَ أَنْ قَدْ كَبُرَتْ لِدَاتِ
وَاللَّوَا بِإِسْقَاطِ التَّاءِ. وَتَصْغِيرُ الَّتِي اللُّتَيَّا بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ، قَالَ الرَّاجِزُ:
بعد اللتيا واللتيا «١» والتي
وَبَعْضُ الشُّعَرَاءِ أَدْخَلَ عَلَى (الَّتِي) حَرْفَ النِّدَاءِ، وَحُرُوفُ النِّدَاءِ لَا تَدْخُلُ عَلَى مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ إِلَّا فِي قَوْلِنَا: يَا اللَّهُ وَحْدَهُ، فَكَأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ غَيْرَ مُفَارِقَتَيْنِ لَهَا. وَقَالَ:
مِنْ أجلك يا لتي تَيَّمْتِ قَلْبِي ... وَأَنْتِ بَخِيلَةٌ بِالْوُدِّ عَنِّي
وَيُقَالُ: وَقَعَ فِي اللَّتَيَّا وَالَّتِي، وَهُمَا اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ الدَّاهِيَةِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ) الْفَاحِشَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الزِّنَا، وَالْفَاحِشَةُ الْفِعْلَةُ الْقَبِيحَةُ، وَهِيَ مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (بِالْفَاحِشَةِ) بِبَاءِ الْجَرِّ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ نِسائِكُمْ) إِضَافَةٌ فِي مَعْنَى الْإِسْلَامِ وَبَيَانُ حَالِ الْمُؤْمِنَاتِ، كَمَا قَالَ: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ «٢») لِأَنَّ الْكَافِرَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِنَسَبٍ وَلَا يَلْحَقُهَا هَذَا الْحُكْمُ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) أَيْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلَ اللَّهُ الشَّهَادَةَ عَلَى الزِّنَا خَاصَّةً أَرْبَعَةً تَغْلِيظًا عَلَى الْمُدَّعِي وَسَتْرًا عَلَى الْعِبَادِ. وَتَعْدِيلُ الشُّهُودِ بِالْأَرْبَعَةِ فِي الزِّنَا حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً «٣») وَقَالَ هُنَا: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ). وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَتِ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ [قَدْ «٤»] زَنَيَا فَقَالَ: [النَّبِيُّ ﷺ «٥»] (ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ) فَأَتَوْهُ بِابْنَيْ صُورِيَّا فَنَشَدَهُمَا: (كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنَ فِي التَّوْرَاةِ)؟ قَالَا: نَجِدُ في التوراة
Juz 5, halaman 83 ›
إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا. قَالَ: (فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا)، قَالَا: ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاءُوا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا كَانَ الشُّهُودُ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةً لِيَتَرَتَّبَ شَاهِدَانِ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّانِيَيْنِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، إِذْ هُوَ حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْيَمِينَ تَدْخُلُ فِي الْأَمْوَالِ وَاللَّوْثَ «١» فِي الْقَسَامَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا هُنَا. السَّادِسَةُ- وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ ذُكُورًا، لِقَوْلِهِ: (مِنْكُمْ) وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. وَأَنْ يَكُونُوا عُدُولًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الْبُيُوعِ وَالرَّجْعَةِ وَهَذَا أَعْظَمُ، وَهُوَ بِذَلِكَ أَوْلَى. وَهَذَا مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالدَّلِيلِ، عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَلَا يَكُونُونَ ذِمَّةً «٢»، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى ذِمِّيَّةٍ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي (الْمَائِدَةِ «٣») وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ: (أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) فِي أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا كَانَ أَحَدَ الشُّهُودِ فِي الْقَذْفِ لَمْ يُلَاعِنْ. وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي (النُّورِ «٤») إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) هَذِهِ أَوَّلُ عُقُوبَاتِ «٥» الزُّنَاةِ، وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، قَالَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ حَتَّى نُسِخَ بِالْأَذَى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ (النُّورِ) وَبِالرَّجْمِ فِي الثَّيِّبِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كَانَ الْإِيذَاءُ هُوَ الْأَوَّلُ ثُمَّ نُسِخَ بِالْإِمْسَاكِ، وَلَكِنَّ التِّلَاوَةَ أُخِّرَتْ وَقُدِّمَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكَ، وَهَذَا الْإِمْسَاكُ وَالْحَبْسُ فِي الْبُيُوتِ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَكْثُرَ الْجُنَاةُ، فَلَمَّا كَثُرُوا وَخُشِيَ قُوَّتُهُمُ اتُّخِذَ لَهُمْ سِجْنٌ، قَالَهُ ابن العربي.
Juz 5, halaman 84 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.