محمد ﷺ، ثم اضطر بعد ذلك إلى مغادرة أور مع ابن أخيه لوط هربا من اضطهاد قومه، وبوحي من الله انطلق برحلة طويلة نحو كنعان ثم إلى مصر ثم إلى شبه الجزيرة العربية، كان يدعو خلالها الناس إلى نبذ الشرك وعبادة الله الواحد، وقد ولد له ابنه البكر إسماعيل ﵇ من زوجته المصرية هاجر وهو في السادسة والثمانين من عمره، ثم ابنه اسحاق من زوجته سارة وكان عمره مئة عام، انظر (هود/ ٧١ - ٧٢)، واستوطن ابنه إسماعيل مكة المكرمة وتزوج فيها، وكان بذلك جدّا للعرب المستعربة، وبنى مع أبيه الكعبة المشرفة، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٢٧].
وفي الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى ورد اسم أبي إبراهيم على أنه تارح Tarah ، وذكر محمد أسد في تفسيره «رسالة القرآن» أن الاسم ورد في التلمود اليهودي على أنه زاره Zarah ، غير أن مؤرخ الكنيسة يوزيبيوس Eusebius (٢٦٠ - ٣٣٩ م) أورد الإسم على أنه آذر Athar ، ومع أن كل هذه المصادر لا يعتدّ بها في تفسير القرآن الكريم، غير أنه يحتمل أن كان لآزر اسمان كما لكثير من الناس، أو قد يكون أحد الاسمين لقبا له، وفي قراءة:
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً﴾ أي أتتخذهم عضدا وقوّة؟
﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الملكوت هو الملك العظيم، والمعنى كما أرينا إبراهيم ضلال من يتخذ الأصنام آلهة، كذلك أريناه، رؤية البصيرة والعقل، دلائل وبراهين وحجج ملكوت السماوات والأرض - بدليل الحوار الذي سيلي مع قومه - ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ بنتيجة إبصاره الدلائل ليصبح من الراسخين في اليقين.
ظهر من التنقيب عن آثار مدينة أور في أوائل القرن العشرين أنه كان لدولة سومر، التي استمرّ حكمها بين النهرين حتى حوالي العام ٢٠٠٠ ق. م، ما لا
Juz 1, halaman 529 ›
يقل عن خمسة آلاف من الآلهة، كما كان لكل مدينة من المدن ما يسمّونه كبير الآلهة، وكان كبير الآلهة في مدينة أور يدعى نانّر Nannar أي إله القمر، وهو السبب الذي من أجله سمّيت مدينة أور أيضا، قمرينا Kamarina نسبة لإله القمر، وأما مدينة لارسا كبرى المدن المنافسة لزعامة أور فكانت تدين لكبير الآلهة المسمّى، شمش Shamash أي إله الشمس، وكبيري الآلهة هذين هما اللذين تشير لهما الآيات التالية (٧٧ - ٧٨) في حوار إبراهيم مع قومه، ويلاحظ تشابه ألفاظ القمر والشمس مع نفس المسميات في اللغة العربية كونها جميعا منبثقة من الأصل السامي، وتحت إلهي القمر والشمس كان لديهم مئات الآلهة الأخرى التي ترمز للكواكب والنجوم، وكانوا ينحتون لها أشكالا وأصناما، ولا شك أن الآيتين (٧٧ - ٧٨) من معجزات القرآن الكريم الباهرة، إذ لم يكن بوسع النبي ﷺ أن يعلم في حينه عن آلهة سومر وعبادة السومريين للقمر والشمس بالذات، الأمر الذي لم يتم اكتشافه إلا من تنقيبات الآثار في أوائل هذا القرن، ويبدو أيضا أن كبير الآلهة في أور المسمّى نانّر، إله القمر، هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٦٣].
وقد تعرضت الدولة السومرية - ومدينة أور بالذات - للعديد من الكوارث بعد بعثة إبراهيم ﵇ بحوالي قرن من الزمن، إذ استولى عليها الإلميون Elamites وأخذوا ملكها أسيرا ودمّروا المدينة تدميرا تامّا، ثم أعيد بناؤها مرة ثانية إلى أن استولى البابليون عليها بقيادة حمورابي وأنهوا حكم السومريين لبلاد ما بين النهرين إلى غير رجعة، وهذا من مصداق قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٦]، غير أن التراث السومري بقي واضحا لدى البابليين، إذ تصوّر إحدى الرسوم، التي تم اكتشافها في موقع أور، الملك حمورابي وهو يتلقّى قانونه
Juz 1, halaman 530 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.