أي: إذا السماء انشقت وتصدعت وصارت أبوابًا وذلك لنزول الملائكة، وإذا الكواكب تساقطت متفرقة منتشرة كجواهر ولآلئ قطع سلكها وبتر خيطها، وإذا البحار فتحت وشقت جوانبها وزال ما بينها من الحواجز والبرازخ واختلط ماؤها العذب بمائها الملح الأُجاج حتى صارت بحرًا واحدًا ثم تنشف الأرض جميعًا وتجف وتيبس فتصير بلا ماءٍ ويقضي على أسباب الحياة فيها، وإذا القبور قلب ترابها وصار أعلاها أَسفلها، وأُخرج مَنْ دفن فيها (علمت نفس ما قدمت وأخرت) هذا وجوب (إذا السماء انفطرت) وما عطف عليه، أي: إذا حصل هذا علمت كل نفس مكلفة علمًا تفصيليا عند نشر صحف أعمالها ما قدمته من عمل خير أو شر، وما أخَّرته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها بعد ذلك، أو ما قدمته من أموال لنفسها مما أنفقته في سبيل الله، وما أخرته وتركته لورثتها يستمتعون به وينتفعون وتحاسب هي عليه، أما العلم الإجمالي لذلك فإنه يحصل قبل ذلك؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاء في أول الأمر.
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾
المفردات:
(مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ): ما خدعك وجرَّأَك على عصيان ربِّك.
(فَسَوَّاكَ): فجعل أعضاءك سويَّة سليمة مهيأَة لمنافعها.
(فَعَدَلَكَ): فساوى بين أعضائك فلم تتفاوت في طول أو قصر. أو لون أو شكل من: عدل فلانًا بفلان: إذا ساوى بينهما، وقيل غير ذلك وسيأْتي.
(فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ): وضعك وجعلك في أي صورة اقتضتها مشيئته.
Juz 10, halaman 1814 ›
التفسير:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾
هذا النداء للكافر الذي جحد بربه، أو هو عام يشمل العصاة أيضًا، أي: أي شيء خدعك وسوّل لك وجرأك على عصيان الله والمخالفة عن أمره، وقد رباك بنعمه ورعاك بكرمه في جميع أطوارك ومختلف أحوالك، فجعلك خليفة في أرضه، وميزك بالعقل والتكليف وحمّلك الأمانة التي أشفقت السموات والأرض والجيال من حملها، وسخَّر لك ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه ثم كان منك أن أعمتك النعمة وشغلتك عن المنعم حتى جحدته وكذبت رسوله، والأجدر بك أن تقابل الإحسان بالطاعة، والنعم بالشكر، فالغرور أمارة الحمق وآية الجهل، روي أن النبيّ ﷺ قرأ هذه الآية: "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ" فقال: "غره الجهل" وقاله عمر ﵁ أيضًا وقرأ: "إنه كان ظلومًا جهولًا".
(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ): هذه صفات مقررة للربوبية مبينة وموضحة لكرم الله على الإنسان، مشيرة إلى أن ما كذبوا به من البعث والجزاء هو حق ثابت؛ لأن من قدر على الخلق بدءًا كان أَقدر عليه إعادة، والتسوية: جعل الأعضاء سليمة سويّة معدّة لقيامها بمهامها وأدائها لمنافعها على وفق حكمته - تعالى - ومشيئته. قال ذو النون: سواك، أي: سخّر لك المكونات أجمع، وما جعلك مُسَخَّرًا لشيء منها. ثم أنطلق لسانك بالذكر وقلبك بالعقل، وروحك بالمعرفة، وسرك بالإيمان، وشرفك بالأمر والنهي، وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلا (فَعَدَلَكَ) أي: فعدل أعضاءك ببعضها حتى اعتدلت وتساوت من غير تفاوت، فلم يجعل إحدى اليدين أو الرجلين أطوال، ولا إحدى العينين أو الأُذنين أو المنخرين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، بل لقد تم التناسق والتناسب بينها في كمال إبداع، وعظيم إِحكام، أو صرفك عن خلقة غير ملائمة لك إلى خلقة مستوية مستقيمة لا منكسة كالبهائم، وجعلك تتناول طعامك بيدك، وأكرمك بأمور بأُمور كثيرة
Juz 10, halaman 1815 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman.