وقال أيضاً: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ (¬١). أي: ولو أني أَسِيرُ سنينَ كثيرةً، والحُقْبُ: سبعون سنة، أو: ثمانون، وقيل: أكثر (¬٢).
فمِثْلُ هذا النبيِّ الكريمِ الحليمِ يقول: إني أسيرُ إلى لقاءِ هذا العبدِ الصالحِ، ولو أني أسيرُ هذهِ المدَّةَ المتطاولةَ والسنينَ الكثيرةَ حتى أَظْفَرَ بِلُقْيَاهُ، فكيف بزيارة العبدِ المؤمنِ المذنبِ الخطَّاءِ المُقصِّرِ المُفرِّطِ لملجئه ومَلاذِه عند المكارهِ والمخاوفِ، ومَفْزَعِهِ (¬٣) ومناصه عند المهالكِ والمتالفِ، وشفيعهِ إذا زلَّتْ به القَدَمُ، ومُنْجِيه إذا حَلَّ (¬٤) عليه النَّدَم، بسعي يسير، وبذلٍ حقير، بالنسبة إلى ما ذكر من تلك المسافاتِ، لا تخفى على من نوَّر الله قلبه، وصفَّى فهمه ولُبَّه، إنَّها مُتوجِّهة مُتعيِّنة، ومشروعيتها من كتاب الله الكريم واضحة مُتبيِّنة، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (¬٥).
وأما دلائلُ السُّنَّةِ الغَرَّاءِ، فكثيرةٌ جداً (¬٦)، ونشيرُ إلى زبدتها:
الأول منها: ما رُوِّيناه من عند الإمام مُسلمِ بن الحَجَّاجِ، وأبي عيسى التِّرْمِذيِّ مُصَحَّحاً مُحَسَّناً، أن رسول الله ﷺ قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيارَةِ