وقد ذهب إلى ما دلّ عليه الحديث من ترك التلبية عند الشروع في الاستلام أبو حنيفة (¬١) والشافعي في الجديد وقال في القديم: يلبي ولكنه يخفض صوته وهو قول ابن عباس وأحمد (¬٢).
٥٦/ ١٨٦٦ - (عَنْ جابِرٍ قالَ: أهْلَلْنا بالحَجّ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أمَرَنا أنْ نَحِلَّ ونَجْعَلَها عُمْرَةً، فكَبُرَ ذلكَ عَلَيْنا وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنا، فَقالَ: "يا أيُّها النَّاسُ أحِلُّوا فَلَوْلا الهَدْيُ مَعِي فَعَلْتُ كما فَعَلْتُمْ"، قالَ: فأحْلَلْنا حتَّى وَطِئْنا النِّساءَ وَفَعَلْنا كما يَفْعَلُ الحَلالُ، حتَّى إذَا كانَ يَوْمَ التَّرْوَيةِ وَجَعَلْنا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أهْلَلْنا بالحَجّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (¬٣). [صحيح]
(¬١) شرح فتح القدير (٣/ ٥).
(¬٢) قال ابن رشد الحفيد في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" بتحقيقي (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩):
• وأما متى يقطع المحرم التلبية:
فإنهم اختلفوا في ذلك، فروى مالك أن علي بن أبي طالب ﵁، كان يقطع التلبية إذا زاغت الشمس من يوم عرفة.
وقال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا.
وقال ابن شهاب: كان الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يقطعون التلبية عند زوال الشمس من يوم عرفة.
قال أبو عمر بن عبد البر: واختلف في ذلك عن عثمان وعائشة.
وقال جمهور فقهاء الأمصار وأهل الحديث أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وداود وابن أبي ليلى، وأبو عبيد، والطبري، والحسن بن حيي: إن المحرم لا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة لما ثبت: "أن رسول الله ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة" [(البخاري رقم (١٥٤٣، ١٥٤٤) ومسلم رقم (٢٦٧/ ١٢٨١)].
إلا أنهم اختلفوا متى يقطعها، فقال قوم: إذا رماها بأسرها لما روي عن ابن عباس: "أن الفضل بن عباس كان رديف رسول الله ﷺ وأنه لبى حتى رمى جمرة العقبة، وقطع التلبية في آخر حصاة" -[ابن خزيمة رقم (٢٨٨٧) بسند صحيح]-.
وقال قوم: بل يقطعها في أول جمرة يلقيها روي ذلك عن ابن مسعود.
وروي في وقت قطع التلبية أقاويل غير هذه إلا أن هذين القولين هما المشهوران". اهـ.
(¬٣) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٠٢) والبخاري رقم (١٦٥١) ومسلم رقم (١٤٢/ ١٢١٦).