القِفَارِ وخوض البحار، تحقيقًا للموعد الحَقَّ المذكور حين قال ﷺ: " ناسٌ من أُمَّتِي عُرضُوا عَلَىَّ، يَركبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْر الأَخضَرِ غُزَاةُ في سبِيلِ الله، مثلَ المُلوكِ على الأَسِرَّةِ" (١)، وهذا يدلُّ على تحقيق الموعد من وراءِ البحارِ، وقد عَلِمَ ﷺ بلوغ ذلك، ولذلك قال ﷺ في الحديث الصّحيح (٢):"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْح، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنيَّةٌ" فإنّ الهجرة وإن كانت قد إنقطعت وذهبت، فإن الجهاد باقٍ خَلَفًا خَلَفا.
على أنّ الدّاودي (٣) قد رَوَى عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لَا تَنقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتَّى تَنقَطِعَ التَّوْبَةُ، ولا تنقطعُ التّوبةُ حتّى تَطْلُعَ الشّمسُ من مَغرِبِها" ومعنى هذا: أنّ الهجرة كانت مُسْتَحَبَّة في صدر الإسلام، ثّمّ كانت واجبة على النّبيّ ﷺ لتتمكن الدَّوحة، وتَتّسعَ الدّارُ، وتنتشر المِلَّةُ، فلما فتح الله عليه مكّةَ، انقطع الوجوبُ وبَقِيَ الاستحبابُ (٤)، إِلَّا في مَوْطِنَيْن: