الوجه الرابع: عمر حاشاه أن يطلع على عورات زوجات النبي ﷺ -.
إن في الحديث نفسه ما يدل على غيرة عمر ﵁ على نساء النبي ﷺ، فكيف يطلع على العورات؟ حيث قال: (يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَو أمرت أمهات الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ الله آيَةَ الْحِجَابِ) (١).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتْ امْرَأةً جَسِيمَةً لَا تَخْفي عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ أَمَا وَالله مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا فَانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ؟ ، قَالَتْ فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ الله ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفي يَدِهِ عَرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ (٢).
قال ابن حجر: وَالْحَاصِل أَنَّ عُمَر ﵁ وَقَعَ فِي قَلْبه نُفْرَة مِنْ اِطِّلَاع الْأَجَانِب عَلَى الْحَرِيم النَّبَوِيّ، حَتَّى صَرَّحَ بقوله لَهُ ﷺ: "احْجُبْ نِسَاءَك"، وَأَكَّدَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ نَزَلَتْ آيَة الْحِجَاب، ثُمَّ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُبْدِينَ أَشْخَاصهنَّ أَصْلًا وَلَوْ كُنَّ مُسْتَتِرَات، فَبَالَغَ فِي ذَلِكَ فَمَنَعَ مِنْهُ، وَأَذِنَ لَهُنَّ فِي الْخرُوج لِحَاجَتِهِنَّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَرَفْعًا لِلْحَرَجِ (٣).
قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَنْقَبَة ظَاهِرَة لِعُمَر اِبْن الْخَطَّاب ﵁، وَفِيهِ تَنْبِيه أَهْل الْفَضْل وَالْكِبَار عَلَى مَصَالحِهمْ، وَنَصِيحَتهمْ، وَتَكْرَار ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (٤).