قال الزُّبَيرُ: وحدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ نافعِ (¬١) بن ثابتِ الزُّبَيرِيُّ، قال: قعَد معاويةُ على المنبرِ فدَعا إلى بيعةِ يزيدَ، فكَلَّمَه الحسينُ بنُ عليٍّ، وابنُ الزُّبَيرِ، وعبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ؛ فكان كلامُ ابنِ أبي بكرٍ: أهِرَقلِيَّةٌ (¬٢)! إذا مات كسرى كان كسرى مكانَه؟ لا نفعَلُ واللهِ أبدًا، وبعَث إليه معاويةُ بمائةِ ألفِ درهمٍ بعدَ أنْ أبَى البيعةَ ليزيدَ، فَرَدَّها (¬٣) عبدُ الرحمنِ، وأبَى أن يأخُذَها، وقال: أبِيعُ دِيني بِدُنْياي؟ وخرَج إلى مكةَ فمات بها قبلَ أن تَتِمَّ البيعةُ ليزيدَ بنِ معاويةَ (¬٤).
قال أبو عمرَ ﵁: يقولون: إنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ ماتَ فُجَاءةً بموضعٍ يُقالُ له: الحُبْشِيُّ، على نحوِ عَشَرةِ أميالٍ مِن مكةَ، وحُمِل إلى مكةَ فدُفِنَ بها، ويُقالُ: إنَّه تُوفِّي في نومةٍ نامَها، ولمَّا اتَّصَلَ (¬٥) موتُه بأختِه عائشةَ أُمِّ المؤمنين ﵂ ظَعَنَتْ مِن المدينةِ حاجَّةً حتى وَقَفَتْ على قبرِه - وكانَتْ شقيقتَه - فَبَكَتْ عليه وتَمَثَّلَتْ:
وكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمةَ حِقْبةً … مِن الدَّهْرِ حتى قيلَ لن يَتَصَدَّعَا
فلمَّا تَفَرَّقْنا كَأَنِّي ومالِكًا … لِطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً مَعَا (¬٦)