وناهيك بهذه المزية الجليلة، والمنقبة النبيلة، فاكرم بنفس تطلب غاية المطالب، في أشرف المكاسب. وأحبب برجل أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة، ولا تساميه منقبة، ولا تقاربه مكرمة، فليس بعد ما يتصوره أهل الطبقة الأولى متصور. فإن نالوه على الوجه الذي تصوروه فقد ظفروا من خير العاجلة والآجلة وشرف الدنيا والآخرة بما لا يظفر به إلا من صنع صنيعهم ونال نيلهم، وبلغ مبالغهم، وإن اختر مهم دونه مخترم، وحال بينهم وبينه حائل، فقد اعذروا، وليس على من طلب جسيمًا ورام أمرًا عظيمًا أن منعته عنه الموانع وصرفته عنه الصوارف من بأس. وما أحسن ما قاله الشريف الرضي الموسوي (¬١):
لابد أن أركبها صعبة … وقاحة تحت علام وقاح
اجهدها أو تنثني بالردى … دون الذي أملت أو بالنجاح
أما فتى نال المنى فاشتفى … أبو بطل ذاق الردى فاستراح
وكنت في أيام الطلب وعصر الشباب قد نظمت قصيدة في هذا المعنى على هذا النمط، اذكر منها الآن أبياتًا هي (¬٢):
قد أتعب السير رحالي وقد … آن لها بعد الوحي (¬٣) أن تُراح
فما يهاب العتب من فاز من … غاية أمنيته بالنجاح
سعى فلما ظفرت بالمني … يمينه ألقى العصا واستراح
فيا أيها العالم الصعلوك، قد ظفرت برتبة أرفع من رتب الملوك،