التي شرعها الله لعباده، وينفق ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسل الله إلى عباده ونزلت به ملائكته، فإن جميع ما يريده الله من عباده عاجلًا وآجلًا وما وعدهم به من خير وشر قد صار في هذه الشريعة، فأكرم برجل تاقت نفسه عن أن يكون عبد بطنه إلى أن يكون عبد دينه، حتى يناله على الوجه الأكمل، ويعرفه على الوجه الذي أراده الله منه، ويرشد إليه من عباده من أراد له الرشاد، ويهدي به من استحق الهداية، فانظر أعزك الله كم الفرق بين الرجلين، وتأمل قدر مسافة التفاوت بين الأمرين، هذا يستغرق جميع أوقاته وينفق كل ساعاته في تحصيل طعامه وشرابه وملبسه وما لا بد منه قام أو قعد سعى أو وقف، وهذا يقابله بسعي غير هذا السعي وعمل غير ذلك العمل، فينفق ساعاته ويستغرق أوقاته في طلب ما جاء عن الله وعن رسوله، من التكاليف التي كلف بها عباده، وما أذن به من إبلاغه إليهم من أمور دنياهم وأخراهم لينتفع بذلك ثم ينفع به من شاء الله من عباده، ويُبلِّغ إليهم حجة الله ويعرفهم شرائعه. فلقد تعاظم الفرق بين النوعين، وتفاوت تفاوتًا يقصر التعبير عنه ويعجز البيان له، إلا على وجه الإجمال بأن يقال: أن أحد النوعين قد التحق بالدواب، والآخر بالملائكة، لأن كل واحد منهما قد سعى سعيًا شابه من التحق به، فإن الدابة يستعملها مالكها في مصالحه، ويقوم بطعامها وشرابها وما يحتاج إليه، ومع هذا فمن نظر في الأمر بعين البصيرة، وتأمله حق التأمل، وجد عيش من شغل نفسه بالطاعة وفرّغها للعلم ولم يلتفت إلى ما تدعو إليه الحاجة من أمر دنياه أرفه، وحاله أقوم، وسروره أتم، وتلك حكمة الله البالغة التي يتبين عندها أنه لن يعدو المرء ما قُدِّر له. ولن يفوته ما كان يدركه، وكما أن هذا المعنى الذي ذكرناه ثابت في الشريعة مصرح به في غير موطن منها قد أجراه الله على لسان الجبابرة من عباده وعتاة أمته، حتى قال الحجاج بن يوسف الثقفي في بعض خطبه ما معناه: أيها الناس إن الله كفانا أمر الرزق وأمرنا بالعبادة فسعينا لما كُفيناه وتركنا السعي
Kitab: أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت السريحي · Pengarang: الشوكاني
Baca halaman 185
Rujukan halaman ini: أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت السريحي، ص 185 (SanadKitab #1562, hlm. urut 176)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.