وحقيقةُ الإفاضةِ هاهنا هو اجتماعُ الكثيرِ في الذَّهاب والمسير، ومنه قولُهم: أفاضَ البعيرُ بجِرَّتِه (¬١)؛ أي: أجراها كثيرًا متفرِّفًا، وإفاضةُ قِداحَ الميسر: جمعُها، ثمَّ إلقاؤُها متفرِّقةً، وإفاضةُ الماءِ على البدن، وإفاضةُ الدُّموع، والإفاضةُ مِن القومِ في الحديث؛ كلُّها تَرجِعُ إلى هذا، وكذا قولُهم: النَّاس فوضى، ونيَّاتهم فوضى، على هذا.
وعرفات: موضِعٌ مخصوصٌ، بها الوقوفُ الذي هو ركنُ الحجِّ، وسُمِّيَت بها؛ لأن آدمَ -صلوات اللَّه عليه- وجد بها حواء، فعرَفها بعدما كانا تَفارقا مدَّةً.
وقيل: لأنَّ جبريلَ ﵇ عرَّف بها آدمَ ﵇ (¬٢) مناسكَ الحج (¬٣).
وهي جمعُ عَرَفة، وهي ما ارتفعَ مِن الأرض، وكذلك الأعراف، وإن كان (¬٤) الاسمُ شاملًا لأجزاء ذلك المكان، واليوم الذي يُوقَف (¬٥) بها يومُ عرفة، ووقوفُ النَّاس بها فيه (¬٦) تعريفٌ.
وكان (¬٧) قريشٌ ومَن دخل في جملتهم من الحُمْس لا يجاوزون الحرمَ؛ تعظيمًا له، وكراهيةَ أن يحطُّوا قدره، فيكون فيه حطُّ أقدار (¬٨) أنفسهم؛ إذ عظَّموا غيرَ الحرم، وكانوا لا يَقفون بعرفةَ؛ لأنَّها مِن الحلِّ، وكان غيرُهم يَقفون بعرفة،