والحملُ هاهنا على الصَّلاةِ أولى (¬١)؛ لأنَّ الذِّكرَ باللِّسانِ دَخلَ (¬٢) فيما ذُكرَ بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾، فيُحمَلُ هذا على الصَّلاة؛ لزيادةِ الإفادة، والذِّكرُ يَجيءُ بمعنى الصَّلاة، قال تعالى خبرًا عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]؛ أي: آثرْتُ حبَّ الخيلِ (¬٣) على صلاة ربِّي، وقال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]؛ أي: صلاة الجمعة.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: اذكروه بألسنتِكم على الوجوه (¬٤) الذي علَّمكم، وإنْ كنتُم لا تَهتدون إليه قبل ذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، وهو وصفُه بما يَليقُ به (¬٥)، ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]، وهو تنزيهُه عما لا يليقُ به.
وقيل: واذكروه بالشُّكرِ على ما هداكُم للدِّين الحقِّ، وقد كنتم قبل ذلك من الضَّالِّين عن الهُدى.
و"إن" كلمةُ تأكيدٍ بمعنى "قد"، واللامُ للتَّأكيد أيضًا.
وقيل: (إن) نفيٌ، واللام استثناء؛ أي: وما كنتم قبلَ ذلك إلَّا مِن الضَّالين، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبلِ الهُدى، وهو ثابتٌ دِلالةَ قوله تعالى: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾.