وقال الإمام القشيري ﵀: خيانة كلِّ أحدٍ على حَسَبِ ما وُضع عنده من الأمانة، فمَن اؤتُمِن في مالٍ فتصرُّفُه فيه بغيرِ إذنِ صاحبه خيانةٌ، ومَن اؤتُمن على الحُرَم فملاحظتُه إياهن خيانةٌ، فعلى هذا الخيانةُ في الأعمال: الدعوى فيها بأنها من قِبَلك دون التحقيق بأن منشِئها اللَّه تعالى، والخيانة في الأحوال: ملاحظتُك لها دون غَيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود الحق، فإذا أَخلَلْتَ بسنَّة من السُّنن، أو أدبٍ من آداب الشرع، فتلك خيانةُ الرسول، والخيانة في الأمانات بينك وبين الخلق بإيثارك نصيبَ نفسك على نصيب المسلمين بإرادة القلبِ فضلًا من المعاملة بالفعل (¬١).
* * *
(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾: فخرجتُم إلى الجهاد كما أمركم ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾: نصرًا يفرِّق به بين الحق والباطل (¬٢)، والمحِقِّ والمبطِل، كما وعد: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨].
وقيل: أي: ﴿إِنْ تَتَقُواْ اَللَّهَ﴾ في الْتزامِ جميع ما ألزمناكم من أول السورة إلى هاهنا، وجملتُه: طاعة اللَّه وطاعة رسوله ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾.
قال ابن زيد وابن إسحاق: أي: هدايةً في قلوبكم تفرِّقون بها بين الحقِّ والباطل (¬٣).