وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: وإذا يُقرأ عليهم القرآن المعجِزُ الذي لا يخفَى إعجازه على عاقلٍ متأمِّل قالوا: قد سمعنا ما تلوتُم ولو شئنا لقلنا مثلَ هذا، إنما هو حديث كأحاديث كسرى وقيصرَ والملوك الماضين، هذه غايةُ جرأتهم على اللَّه ونهايةُ وقاحةِ وجوههم ومكابرتهم، فإن النبيَّ ﷺ تحدَّاهم به سنين كثيرةً لمعارضةِ سورةٍ منه، فلم يكن عندهم إلا بذل النفوس والأموال والأولاد، فهم -في زعمهم- أسفهُ الناس وأجهلهم، وقدَّموا النفوس (¬١) والأموال مع إمكانهم بزعمهم تكذيبَه بمعارضةِ سورةٍ منه، فإمَّا أن يكونوا بهذا القول مكابِرينَ لعقولهم، أو جاهلين بإدعائهم بما يظهر فيه افتراؤهم.
قال ابن عباس ﵄: لمَّا قصَّ رسول اللَّه ﷺ شأنَ القرون الماضية قال النَّضْر بن الحارث بن علقمة أخو بني عبد الدار: لو شئتُ لقلتُ مثلَ هذا إن هذا إلا أساطيرُ الأولين، -أي: إلا (¬٢) ما سطر الأوَّلون في كتبهم- فقال له عثمان بن مظعون: إن محمدًا يقول الحق، قال: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدًا يقول: لا إله إلا اللَّه، قال: وأنا أقول: لا إله إلا اللَّه، لكن هؤلاء بناتُ اللَّه، -يعني: اللاتَ والعزَّى- فقال رسول اللَّه ﷺ: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] قال النضر: ألا ترون أن محمدًا قد صدَّقني فيما أقول، -يعني قوله: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ - قال له المغيرة ابن الوليد (¬٣): واللَّه ما صدَّقك، ولكنه يقول: ما كان للرحمن ولد، ففَطِن لذلك النضرُ