الأسبابِ، فهو وإنْ أمرَه بالذِّكْرِ عندَ ربِّهِ -يعني: سيِّدَه- وإنَّما رآه سببًا لخروجِه مِنَ السِّجنِ، فهو معتقدٌ بأنَّ اللَّهَ هو المخرِجُ، لكن ربَّما يجري على يدي مَلِكِهِ، فلذلك قال له: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، ولا بأس (¬١) بهذا.
[وقوله ﷿: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يحتمل وجهَيْن:
أحدُهما]: ربَّما وقع عند يوسف أنَّ سَجنَه مِن غير علمِ الملكِ، فإذا أُخبِر بحالِه أخرجَهُ، وليس هذا منه استعانةً بغير اللَّه تعالى، ولكنَّه اجتهادٌ لمصالحِ النَّاس (¬٢) كسائرِ المكاسبِ (¬٣).
والثَّاني: أنَّه كانَ أظهَرَ رسالتَهُ في السِّجنِ، فأحبَّ رفعَ أمرِه إلى سيِّده؛ ليتدبَّر أنَّه حابسٌ نبيًّا رسولًا، فيخرجَه حتَّى يبلِّغَ رسالَته إليه رجاءَ إجابةٍ منه، حتَّى إذا أجابَ هو أجابَ أتباعُه، ولا تكون رسالتُه مقصورةً على أصحاب السِّجن، بل تكون نافذةً في القوم كلِّهم (¬٤).
وقال البشاغريُّ: ويحتمل قولُه: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: اذكرْ علْمِي الَّذي علَّمَنِيه اللَّهُ مِن تأويلِ الأحاديثِ وحُكْم الرِّسالة (¬٥)؛ لعلَّه يرغبُ فيخرجَه من السِّجن حتَّى يتخلَّص وينجو لشفقَةٍ منه عليه؛ إذ هو كانَ عالمًا بالفراعنةِ المتقدِّمين