فيَكِلكَ اللَّه إليه ويتبرأَ منك ولا يتولَّاك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]، ومَن كان الشيطان وليًّا له فهو وليُّ الشيطان؛ لأن الموالاة تقوم بالطرفين.
وفي هذا الخطاب كلُّ ما يحتاج إليه من أسباب التنبيه، فإن إبراهيم ﵇ افتَتح بمعاتبته على عبادة الأوثان وبيَّن نقائصَها، ثم ثنَّى بالدعاء إلى تأمُّل (¬١) ما جاء به من العلم، وهو أمر بالنظر وتركِ التقليد، ثم ثلَّث بأن التقليد وتركَ النظر مِن عمل الشيطان، وطاعةُ الشيطان (¬٢) غيرُ جائزة في العقول، ثم ختم بالوعيد الزاجر عن المعصية الباعثِ على الانقياد للحق.
وفيه دليل على أن العالم يلزمُه الدعاءُ إلى الحق القريب والبعيد، والمبالغةُ في النصح والإيضاحِ (¬٣) للبرهان.
وفيه دليلُ وجوبِ احترام الأب وإن كان كافرًا، فإنه خاطبه مرات بقوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ الآيةَ.
* * *
(٤٦) - ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: أي: أزاهدٌ أنت من عبادةِ آلهتي وتعظيمِها، وذاكر لها بسوءٍ، ولم يتأمَّلْ فيما دلَّه عليه، وأصرَّ على تماديه في ضلالته وجهالته، وأنكر عليه اتِّباعَ الحق والدعاءَ إليه.