وقال القشيري ﵀: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: فمستقيمٌ على حقِّه، وتائهٌ في غِيِّه، ومصرٌّ على عصيانه وفسقه، ومقيمٌ على إحسانه وصدقه، كلٌّ مربوط بحدِّه، موقوف (¬١) على ما قُسِم له في البداية من شأنه، كلٌّ ينتحل طريقة، ويدَّعي لحسن (¬٢) طريقته حقيقة، وعند صحوِ سماء قلوب أرباب التوحيد لا غبار في الطريق، وهم على يقينِ معارفهم، فلا ريب يتخالجهم ولا شبهة، وأهلُ الباطل في عمَى (¬٣) جهلهم وغبار جحدهم، وظلمةِ تقليدهم ومحنة شكِّهم (¬٤).
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: أي: فدَعْ يا محمد هؤلاء الضَّلالَ المتقطِّعين أمرهم بينهم في ضلالتهم وغفلتهم (¬٥)، والغمرة: ما يغمر القلب ويغطي عليه، فيغفل صاحبه عن النظر لنفسه، ومنه: الرجل الغمر، ومنه: غمرةُ الماء، ومنه قولهم: دخل في غُمَار الناس؛ أي: في زحمتهم بحيث يستَتِر عن الأبصار.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: أي: إلى وقت نزول العذاب بهم، ولا يَضيقنَّ قلبُك بتأخير نزول (¬٦) العذاب عنهم، وذلك الوقت قد يكون بالموت فيعرفون ذلك، وقد يكون بنزول العذاب ولا ينفعهم الندم؛ كما وقع بفرعون حين أدركه الغرق.
* * *