حيث التقى الناسُ، فلما كانت الهُدْنَةُ، ووَضَعَتِ الحربُ أوزارَها، وأمنَ الناسُ، والتقَوا، وتفاوضوا الحديثَ، فلم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإسلام يعقِلُ إلا دخَلَ فيه، ودخَلَ في السِّنين في الإسلام مثلُ مَن كان في الإسلام قَبْلَ ذلك أو أكثرُ (¬١).
وبعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في هذه المدة دُعاةً، فوجَّهَ دِحْيةَ الكلبيَّ إلى هِرَقْلَ وغيرِه، وقرأ رسولُ اللَّه ﷺ بالحُدَيْبِيَةِ على أصحابه هذه السورةَ، وفيها بشارةٌ للنبيِّ ﷺ ثم للمؤمنين، ثم وعيدُ المشركين والمنافقين، ثم وَعْدٌ بالمَغانم والفُتوحِ للمسلمين، وبدخول مكةَ آمِنين، وأنجزَ (¬٢) اللَّهُ تعالى ذلك، فدخلوه في العام القابل سنةَ سبعٍ، ثم فُتِحَتْ مكةُ سنةَ ثمانٍ، وحجَّ أبو بكرٍ سنةَ تسعٍ، ثم حجَّ النبيُّ ﷺ سنةَ عشرٍ، ونزلَ يومَ عرفةَ وهو بعرفاتٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ تحقيقًا لمواعيد هذه السورة.
ولَمَّا قرأَ عليهم هذه السورةَ قالوا: أَفَتْحٌ هو؟ قال: "نعم"، يعني: كان في الظَّاهر صَدًّا عن المسجد الحرام، وانغِلاقًا لِمَا أرادوه، لكنه كان فَتْحًا معنًى؛ لأنَّه كان سببًا لِتَتابُعِ الفُتوح عليهم، وانفتاحِ الطُّرُق على مَن كان لا يَصِلُ إليه، ووُفودِ رسلِ الملوك مِن أقطار الأرض، ثم تتابعَتِ الفتوحُ بعده على ما وعَدَ، وأثابَهم فتحًا قريبًا: فَدَكَ، وخَيْبرَ، وفتحَ مكَّةَ، وما ذكَرَ في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] في عصر الصحابة، ثم تتابَعَ فتوح البلاد.