وقال مقاتل: إنَّ كفَّار مكَّة لَمَّا آذَوا رسولَ اللَّه ﷺ، فانطلق إلى حراء ليتوارى عنهم، فبينما هو يمشي إذ سمع مناديًا فوق رأسه: يا محمَّد، فنظر يمينًا وشمالًا فلم يرَ شيئًا، ثم نُودي ثانيًا: يا محمَّد، فنظر خلفَه فلم يرَ شيئًا، ففزع لذلك، فقال: "لعلَّ هذا شيطان"، فمضى، ثم نودي ثالثًا: يا محمَّد، فنظر إلى السَّماء، فرأى شيئًا مثل السَّرير، عليه جبريل مثلَ النُّور المتوقِّد يتلألأ، فغُشِي عليه ثلاث (¬١) ساعات، ثم أفاق وله رِعدة، ورجلاه تصطكَّان، حتَّى أتى خديجة، فدعا بماء فَصُبَّ عليه، فقال: "دثِّروني"، فدُثِّر بقطيفة، فلمَّا أفاق قال: "لقد أشفقْتُ على نفسي"، فقالت له خديجة: فأبشرْ، فإنَّ اللَّه لا يريد بك (¬٢) إلَّا خيرًا، إنَّك لتَقْري الضَّيف، وتفكُّ العانيَ، وتعطي في النَّوائب. فأتاه جبريل وهو متدثِّر في قطيفة فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بالثِّياب ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كفَّار قريش ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾؛ أي: قل: اللَّه أكبر، فقال: "اللَّه أكبر"، فكبَّرَتْ خديجةُ وفرحَتْ، وأيقنَتْ أنَّه الوحي (¬٣).
وقال قتادة: أنذر عذابَ ربِّك ووقائعَه في الأمم، ونقمتَه إذا انتقم.
* * *
(٣ - ٤) - ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾؛ أي: ربَّك الذي هو مقيم بمصالحك فعظِّمه، ولا تشرك به شيئًا (¬٤) ممَّا ليس لك بربٍّ، بل هو مربوبٌ لربِّك.