وَأَهَلَّ أَصْحَابُهُ بِحَجٍّ، فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَارِنًا، وَإِذَا كَانَ قَارِنًا فَقَدْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ، وَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ مَنْ رَآهُ: تَمَتَّعَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ. فَقَالَ مَنْ رَآهُ: أَفْرَدَ ثُمَّ قَالَ: (لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ). فَقَالَ مَنْ سَمِعَهُ: قَرَنَ. فَاتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَفْرَدْتُ الْحَجَّ وَلَا تَمَتَّعْتُ. وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (قَرَنْتُ) كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: (كَيْفَ صَنَعْتَ) قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِكَ. قَالَ (فَإِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ). قَالَ وَقَالَ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: (لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي كَمَا اسْتَدْبَرْتُ لَفَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ وَلَكِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ (. وَثَبَتَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ النَّاسِ قَدْ حَلُّوا مِنْ عُمْرَتِهِمْ وَلَمْ تَحْلِلَّ أَنْتَ؟ قَالَ:) إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَسُقْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ (. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُفْرِدًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ نَحْرِ الْهَدْيِ. قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (أَفْرَدْتُ الْحَجَّ) فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّهُ قَالَ: (وَأَمَّا أَنَا فَأُهِلَّ بِالْحَجِّ). وَهَذَا مَعْنَاهُ: فَأَنَا أُفْرِدُ الْحَجَّ، إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَأَنَا أُهِلُّ بِالْحَجِّ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ: وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَلَمْ يَبْقَ فِي قَوْلِهِ: (فَأَنَا أُهِلُّ بِالْحَجِّ) دَلِيلٌ عَلَى الْإِفْرَادِ. وَبَقِيَ قَوْلُهُ ﵇: (فَإِنِّي قَرَنْتُ). وَقَوْلُ أَنَسٍ خَادِمِهِ إِنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: (لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا) نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْقِرَانِ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنَّمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاجٍّ بَعْدَهَا. الرَّابِعَةُ- وَإِذَا مَضَى الْقَوْلُ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ فَالتَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، مِنْهَا وَجْهٌ وَاحِدٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ، وَالثَّلَاثَةُ مُخْتَلَفٌ
Kitab: Tafsir al-Qurthubi · Pengarang: القرطبي
Baca Juz 2, halaman 390
Rujukan halaman ini: تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن، ج 2، ص 390 (SanadKitab #20855, hlm. urut 862)
Cocokkan kembali dengan kitab cetak sebelum mengutip. Keberatan hak cipta? Hubungi kami dan kitab akan segera kami turunkan.