فصل
فإن قيل: لم يرد في الحديث أن النبي ﵇ اجتمع مع الجن إلا بمكة، وقد نزلت فرائض الدين بعد الهجرة، ولم ينقل أنهم اجتمعوا مع النبي ﵇ بالمدينة، ولا سألوه عن ذلك.
قلنا: حديث أبي هريرة المتقدم يحتمل أن يكون بالمدينة، أعني اجتماع النبي ﵇ بالجن وسؤالهم الزاد بسبب تأخر إسلام أبي هريرة.
ويحتمل أن يكون النبي ﵇ أخبر أبا هريرة بما كان من سؤال الجن الزاد، إذ كان بمكة، ونحن نعلم وإن لم ينقل إلينا أن الجن بعد الهجرة إلى المدينة عالمون بالفرائض الواجبة لا محالة، أعني بما يتعبدون به منها، إذ في الجائز أن يتعبدوا بجميعها (أو بما شاء الله منها) (١).
ومن المحال أن يتعبدوا بشيء لا يصل إليهم معرفته، لأن ذلك من تكليف مالا يطاق، والنبي ﵇ قد قال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» (٢).
وإذا أسلموا فلا بد من معرفتهم بما يتزيد في الإسلام من فروضه وسننه، فيحتمل أن يسألوا أو يسأل وافدهم النبي ﵇ عن ذلك، وإن لم يبلغ إلينا.