(٣٧) إفهام المخطئ بأنّ عذره الزائف غير مقبول
يحاول بعض المخطئين تقديم مبررات مختلقة وغير مقبولة وخصوصا إذا انكشف أمرهم بغتة على حين غرة منهم بل قد يبدو على بعضهم التلعثم وهم ينطقون بالعذر الزائف وخصوصا الذين لا يُحسنون الكذب لنقاء في سرائرهم. فكيف يتصرّف المربي يا تُرى إذا صادف مثل هذا الموقف من أحد المخطئين؟ إن القصة التالية تبيّن موقفا رائعا ودقيقا للنبي ﷺ مع أحد أصحابه ويظهر من خلال القصة المتابعة المستمرّة من المربي للمخطئ إلى حين تخلّيه عن موقفه الخاطئ:
عن خوّات بن جبير ﵁ قال نزلنا مع رسول الله ﷺ مرّ الظهران (موضع بقرب مكة) قال فخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن فأعجبنني فرجعت فاستخرجت عيبتي (وعاء توضع فيه الثياب) فاستخرجت منها حُلّة فلبستها وجئت فجلست معهن فخرج رسول الله ﷺ، فقال: أبا عبد الله!! أي أنه يُنكر عليه جلوسه مع هؤلاء النسوة الأجنبيات فلما رأيت رسول الله هبته واختلطت تلعثم يبحث عن عذر، قلت يا رسول الله جمل لي شرد وأنا أبتغي له قيدا أتى ﵁ بعذر غير صحيح ليبرر به فعله فمضى واتبعته فألقى إليّ رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ وأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره، فقال: أبا عبد الله ما فعل شراد جملك؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟ فلما رأيت ذلك تعجّلت إلى المدينة واجتنبت المسجد ومجالسة النبي ﷺ فلما طال ذلك تحيّنت ساعة خلوة المسجد فخرجت إلى المسجد وقمت أصلّي وخرج رسول الله ﷺ من بعض حُجَره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين وطوّلت رجاء أن يذهب ويدعني، فقال: طوّل أبا عبد الله ما شئت أن تطوّل فلست قائما حتى تنصرف، فقلت في نفسي: والله لاعتذرن إلى رسول الله ﷺ، ولأُبْرِئن صدر رسول الله ﷺ فلما انصرفت قال: السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك؟ فقلت والذي بعثك بالحقّ ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت. فقال: رحمك الله ثلاثا، ثم لم يعد لشيء مما كان. قال الهيثمي رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير الجراح بن مخلد وهو ثقة. المجمع ٩/٤٠١ وبالرجوع إلى المعجم اكبير للطبراني ٤/٢٠٣ تبين أن الرواية من طريق زيد بن أسلم يحدّث أن خوات بن جبير قال نزلنا.. وفي ترجمة خوات ﵁ في التهذيب: وأرسل عنه زيد بن أسلم وفي الإصابة في وفاة خوات سنة ٤٠ أو ٤٢ وأما زيد بن أسلم ففي السير أنه توفي سنة ١٣٦ وعلى ذلك فالسند منقطع
إنه درس رائع في التربية والخطة الحكيمة المؤدية إلى النتيجة المطلوبة، ويمكن أن يؤخذ من القصة أيضا الفوائد التالية:
- المربي صاحب الهيبة يستحي منه من لابس المعصية إذا مرّ به
- إن نظرات وسؤالات المربي ـ على وجازتها وقصرها ـ لها دلالاتها الكبيرة وأثرها في النفوس
- عدم مناقشة العذر الملفّق لحظة سماعه ـ مع وضوح الثغرة فيه ـ والإعراض عن صاحبه يكفي في إشعار المخطئ بعدم قبوله مما يدفعه للتوبة والاعتذار، وهذا يُؤخذ من قوله " فمضى".
- المربي الجيد هو الذي يجعل المخطئ يشعر بالاستحياء منه الموجب للتواري عنه، والحاجة إليه الموجبة للإتيان إليه. ثم يتغلب الثاني على الأول.
- إن تغيير الموقف من المخطئ ينبني ـ في مثل هذه الحالة ـ على إظهار اعترافه ورجوعه عما حصل منه.
إن موقع المربي والقدوة في نفس أصحابه كبير وعظيم ولومه لبعضهم أو تخطئته تقع بموقع وقد يلاحظ المربي مصلحة أشخاص آخرين في إنكاره على أحد أصحابه من أجل المنفعة العامة ولكن هذا لا يعني ترك الأثر السلبي الخاص باقيا بل يُمكن تداركه ومحو أثره بطرق منها المعاتبة من قِبَل التابع ولو بطريق واسطة كما فعل المغيرة بتوسيط عمر ﵄ وفي المقابل إيضاح الموقف والتأكيد على مكانة التابع وحسن الظنّ به من قِبَل القدوة والمربي