لا دُمْيتي بت أرعاها وأعبدُها … كناسكٍ ذاب في جوفِ المحاريب
ولا دُعائي أدَّت بي معارجُهُ … الى مطافٍ شهي الحُلمِ مرغوب
وأين لا أين مني همس فاتنة … أفنيتُ في حسنها حبّي وتشبيبي
غابت فولت عن الدنيا بشاشتها … فلست ألمحُ فيها غير تقطيب
وقد بدا العيش خلواً من مفارحه … مجللًا بشجاً كالليلِ غِربيبِ
والحقل بعدك تؤذيني زيارتُه … فانثني عنه والترداد يغري بي
لا أستطيع أُجيل الطرفَ مفتقداً … آثار حُبٍّ كدمع الفجرِ منهوبِ
مافي خمائله حسنٌ ولا القٌ … ولا أزاهره تخضلُّ بالطيب
إذا خيالكِ لم يبهجه مؤتلقاً … فالحقل في ماحلٍ كالقفر مجدوب
غشيته وفؤادي ما يُفيق جوى … ما كان أجدرني عنه بتنكيب!
هنا تذوقتُ سِرّ الحب مغتبطاً … من غير ما مأثمٍ فيه وتتريب
هنا من الحب سِفرٌ رائع عجب … قد ضم أقدس تذكاري وتجريبي
هنا شبابي مد الله سرحته … رَبا وما فيه من وزر ولا حُوب
هنا الهوى كان طفلا في محفته … وكان أمتعَ مولودٍ ومربوب
لما حبا هلل الوادي له فرحاً … وقد تقلب فيه أي تقليب
فرشتُ بالزهر المنضور ملعَبه … فرفّ يزهو بتنضيدٍ وترتيب
وحينما سَعِدَ الوادي بمطلعِه … رمى به الموت في هُلكٍ وتتبيب
وراعني أن أرى الأطيار ساكتةً … خرساء من غير ترنيم وتطريب
لا النهر يُوحي إليها ناغماً هزِجاً … سكرانَ يركض في اثناء مَلحوب
ولا النسائم تذكي في جوانحها … أشعار قلب من الأوجاع مكروب
تكاد إن أخذت عيني خيالتها … تردها بين تصديق وتكذيب
لم يبق من أُنسها الحالي سوى أثر … من إِسمك العذب فوق الجذْع مكتوب
خَشعتُ بالقرب منه ذاهلا حسراً … كهيكل في شعاب الأرض منصوبِ
قدسته فمشى ثَغرِي يقبله … ومدمعي بين محبوس ومسكوب
تقتات نفسي بالذكرى ويؤنسها … خيالكِ الحلوِ في صَحوي وتغييبي