أحب وأحتقر!
للأستاذ أمجد الطرابلسي
أُحبُّ الجبالَ الشّامخاتِ كأَنّها … على جَبهةِ الدّنيا تصولُ عواتيا
تَضاحَكُ من عصفِ الرياحِ وزأرها … وتحتضنُ السيل الحَرونَ المُعادِيا
وتلهو عن الزّلزالِ وهْوَ مُزَمْجَرٌ … يَضجُّ ببطنِ الأرضِ غضبانَ واريا
وأحتقرُ الكُثبانَ تُرعشها الصِّبا … ويفزعها الإِعصارُ إن مَرَّ لاهيا
وتحملُها الأرياحُ أنى توجَّهت … ألاعيبَ في أسفارها وألاهيا
وَإِنِّي لأهوى السَّيلَ يَنْحَط مزبداً … ويَدفُقْ جَيَّاشاً ويهدِرُ صاخبا
عَتِيّا على السَّدِّ المنيع يَدُكُّهُ … ويحملُهُ نحو السُّهول خَرائبا
يمرّ على العُشْبِ الضعيفِ مُسامِحاً … ويلتقفُ الدّوح العَنيدَ المغالبا
وتحقرُ عيني جَدولاً في خميلةٍ … يحوِّل طفلُ الحيِّ مجراهُ لاعبا
يكَدِّرُهُ حتى النسيمُ ملاطفاً … ويُفزِعُهُ حتى فمُ الطفلِ شارِبا
أُحبُّ العُقابَ اَلجوْنَ يختال في الذرا … ويركب متنَ الجوِّ جذلانَ باسما
ويخترقُ الريحَ العَصوف لقصدِه … ولو حطَّمتْ من جانحيه القَوادما
يموتُ ولا يشكو الجراحَ ولا ترى … له آكلاً بينَ الأنامِ وهاضماً
وأحتقر الورقاَء تألفُ سجنَها … وتبكي ما تلقى من الناسِ راحماً
وهل غيرُ ضَعفِ الوُرْقِ سوَّغَ حَبْسَها … وصَيَّرَ شدواً نوحَها والمآتما
وإني لأهوى نحلةً تدهَمُ الرُّبا … فتنهلُ من ثغرِ الزهورِ رحيقَها
ترشَّفُ من كأسِ الأقاحي صبوحَها … ومن خمرةِ الوردِ النَّدِيِّ غَبوقَها
حَصَانٌ تَروعُ العاشقينَ بوخزها … إذا ما تَمَنّوا لو يذوقونَ ريقَها
وتحقرُ عيني نملةً تألفُ الوَلى … وتملأُ من بَخْسِ الفُتاتِ خُروقَها
تدِبُّ على الأقدام هُوناً وذلةً … وتسلكُ من تحتِ النِّعالِ طريقَها
أُحبّ شَموخَ الدَّوحِ في ربواته … يُجابهُ هَوْلَ العاصفاتِ ويثبُتُ
أبيّاً على حربِ الأعاصيرِ ظافراً … تكُرُّ جموعاً حولَهُ فَتَشتَّتُ
وإنْ خرَّ في الميدانِ بعد نضالِها … تراها عليه نائحاتٍ تُصَوِّتُ