إذا جاعَ نادَى بأعلى صوتِهِ (¬١): أين مُلوكُ الأَرضِ مِنْ هذا الطرَبِ؟!
وقالَ مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ الرازيُّ (¬٢): سَمِعتُ أبا (¬٣) محمَّدٍ الحريريَّ (¬٤) يقول: سَمِعتُ الجنيدَ يقولُ: ما أخذْنا التصوُّفَ من القيلِ والقالِ، ولكن أخذناهُ عن الجوعِ وتركِ الدنيا، وقطعِ المألوفاتِ والمُستحسناتِ، ومَن ظَنَّ أَن يَبْلُغَ مقصودًا، أو يَجِدَ مطلوبًا؛ لا مِنْ طريقةِ متابعةِ أهلِ (¬٥) السنَّةِ والجماعةِ: فهو مغرورٌ ومخذولٌ (¬٦).
وأمَّا السهرُ:
فإِنَّهُ يَجْلو القلبَ ويُصفِّيه، ويُنوِّرُهُ، ويَنضافُ إلى الصفَاءِ الذي حصلَ (¬٧) من الجوعِ، ويصيرُ القلبُ كالكوكبِ الدرِّيِّ، والمِرآةِ المجلوَّةِ، فَيَلوحُ فيه جمالُ الحقِّ، ويُشاهِدُ فيه رَفيعَ الدرجاتِ في الآخرةِ، وحقارةَ الدنيا وآفاتِها، فيُتِمُّ به رغبَتَهُ عنِ الدنيا، وإقبالَهُ على الآخرةِ.
والسهرُ أيضًا نتيجةُ الجوعِ، فإنَّ السهرَ مَعَ الشِبَعِ غيرُ ممكنٍ، والنومُ