فمَنْ أرادَ القُرْبَ فعليه بتركِ (¬١) الشهوةِ النفسانيَّةِ، فإنَّ ارتكابَ الشهواتِ تسدُّ (¬٢) أبوابَ المكاشفاتِ.
كما سُئِلَ ذو النون المِصريُّ ﵀: ما الذي احتَجَبَ بِهِ المُريدونَ عَنِ اللهِ تعالى؟ فقالَ: النفسُ بشهواتِها (¬٣)، والاشتغالُ بتَدْبيرِها.
ثمَّ أعلم أيُّها الأخُ السالكُ: أَنَّ مَنبَعَ (¬٤) الشهواتِ حُطامُ الدنيا وحبُّها (¬٥)، فعليكَ بتجريدِ الظاهرِ من حُطامِها، وتخليةِ الباطنِ مِنْ حُبِّها (¬٦)، فلا يَغُرَّنَّكَ الظنُّ الفاسدُ في أنَّ الخوضَ في نعيمِ الدنيا بالأبدانِ لا يُوجِبُ محبَّتَها في الجَنَانِ.
ويُبيِّن ذلكَ قولُ النبيِّ ﷺ أَنَّه قالَ: "إِنَّما مَثَلُ صاحب الدنيا كمَثَلِ الماشي في الماءِ، هلْ يستطيعُ الذي يَمْشِي في الماءِ ألّا تَبتلَّ (¬٧) قدماهُ؟ " (¬٨).
وهذا يُعرِّفُكُ جهالةَ قومٍ ظنُّوا أنَّهم يخوضُونَ في نعيمِ الدنيا بأبدانِهم وقُلُوبُهُم عنها مطهَّرةٌ؛ وعلائِقُها عن باطِنِهم مُنقطعَةٌ، وذلكَ مكيدةُ (¬٩) الشيطانِ، بل لو أُخرِجوا (¬١٠) ممَّا هُمْ فيهِ: