ومن الرياضةِ (¬١) السفرُ الظاهرُ (¬٢) في تهذيبِ الأخلاقِ والآدابِ، وقالوا: لكلِّ شيءٍ دباغةٌ، ودِباغةُ الرجُلِ غُربَتُه، والسفرُ الظاهِرُ أَن يَمنَعَ البدنَ عن (¬٣) فائِدَتِهِ، فالنفسُ في الوطنِ لا تُظهِرُ (¬٤) خبائِثَ أخلاقِها؛ لاستِئْنَاسِها بما يُوافِقُ طَبعَها من المألوفاتِ المعهودةِ.
وإذا (¬٥) امتحِنَتْ بمَشَاقِّ الغُربَةِ، وانكشفَتْ غَوائِلُها، يحصلُ (¬٦) الوقوف على عيوبها، فيُمكِنُ الاشتغالُ بعَلائِقِها (¬٧)، ويقالُ: أسفَرَ الصبحُ إذا تنوَّرَ فظهرَ (¬٨) الأشياءُ سُمِّيَ بذلكَ؛ لأنَّه يُسفِرُ عَنِ (¬٩) المسافرِ؛ أي: يُظهِرُ ويَنكَشِفُ الأخلاقُ المقبولَةُ من المذمومَةِ.
وإذا سافَرَ المسافرُ تاركًا حظَّ الدنيا (¬١٠): تطيبُ (¬١١) النفسُ وتلينُ، وتكونُ لها بالسفر دِباغةٌ حَتَّى تَذهَبَ (¬١٢) عنه الخشونةُ واليُبُوسَةُ والجِبلَّةُ (¬١٣) والعُفونةُ الطبيعيَّةُ،