العربان الذين كانوا معه، فدخل الفرنج إلى المدينة، ونهبوا أسواقها وبيوتها، وقتلوا جماعة كثيرة من المسلمين، وحرقوا باب رشيد.
فلما جاءت الأخبار بذلك إلى القاهرة كان السلطان، هو والأتابكي يلبغا، في وادي العباسة يتصيدون، فلما بلغتهم هذه الأخبار رجعوا إلى القاهرة ونودى في العسكر قاطبة بأن السلطان يصلي الظهر ويركب فلا يتأخر أحد من المماليك السلطانية، فلما صلى السلطان الظهر ركب وعدى إلى بر الجيزة - وكان النيل في قوة الزيادة - فقاسى العسكر مشقة زائدة في التعدية.
ثم أن السلطان سار إلى الطرانة ونزل هناك، وعين الأمير طنبغا الطويل أمير سلاح، والأمير خليل بن قوصون أمير مجلس، والأمير قطلوبغا المنصوري والأمير كوكنداي أخا طنبغا الطويل، وعين معهم ألف مملوك، ورسم بأن يتقدموا جاليش العسكر … فلما وصلوا إلى ثغر الاسكندرية وجدوا الفرنج رحلوا من الثغر وتوجهوا نحو بلادهم بعد ما جرى منهم ما جرى من القتل والنهب وغير ذلك.
فلما بلغ السلطان رجوع الفرنج إلى بلادهم رجع إلى القاهرة هو والأمراء، وأرسل مرسوما إلى الأمراء الذين تقدموا إلى الاسكندرية بأن يقيموا هناك، ويعبروا ما فسد من المدينة ويطمنوا أهل البلد حتى لا يرجع إليهم الفرنج.
ثم أن السلطان خلع على الأمير بكتمر الشريف - أحد مقدمي الألوف - وجعله نائب ثغر الاسكندرية. وهو أول من تولى نيابة ثغر الاسكندرية من الأمراء المقدمين، وكان قبل ذلك يتولاها جماعة من الكشاف ومن أولاد الناس … فظهرت من يومئذ حرمة ثغر الاسكندرية، وزال عنها أولئك النواب الأصاغر، فخرج إليها الأمير بكتمر الشريفي في برك عظيم، ومماليك كثيرة وحرمة وافرة. وقد قال بعض الشعراء في النائب المنفصل على لسان حال الاسكندرية هذين البيتين:
اسكندرية قالت … يا نائبي صن دماكا
لقد تغير ثغري … واحتجت فيه سواكا
وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة يرثي ثغر الاسكندرية فيما جرى عليه من الفرنج في هذه الواقعة:
ألا في سبيل الله ما حل بالثغر … على فرقة الإسلام من عصبة الكفر
أتاها من الافرنج سبعون مركبا … وضاقت بها العربان في البر والبحر