كانت عمرت بسبب التجريدة، فكسروا بروقها وعمروها بالمقاديف، وعدى بالسلطان والعسكر من الوراق وهم راكبون خيولهم، فطلعوا من جزيرة الفيل، وذلك في يوم السبت.
فلما طلع السلطان من جزيرة الفيل، توجه على خليج الزعفران وخرج من بين الترب وطلع إلى القلعة، فتسامعت به الناس والعسكر، فصاروا يتسحبون من عند الأتابكي يلبغا ويطلعون إلى السلطان في القلعة، فلم يبق عند الأتابكي إلا القليل من العسكر، فرجع الأتابكي يلبغا من الجزيرة، وطلع إلى الرميلة بمن بقى معه من العسكر، فوقف بسوق الخيل ساعة فلم يجيء إليه أحد من العسكر، فتلاشى أمره وولى سعده وبدا عكسه.
فلما رأى أدبار نفسه نزل عن فرسه وصلى ركعتين في وسط الرميلة قدام باب الميدان، ثم حل سيفه وأعطاه للأمير طنبغا حاجب الحجاب، ثم ركب فرسه وتوجه إلى بيته الذي في الكبش، فرجمه العوام وسبوه سبا فاحشا لأنه كان يبغض العوام ويسلط مماليكه عليهم، فما وصل إلى بيته إلا بعد جهد كبير، فأقام في بيته ذلك اليوم، وأرسل إليه السلطان بعض الأمراء وقت المغرب فأخذه وطلع به إلى القلعة هو والأمير طنبغا، فسجنوه بها إلى ما بعد العصر، فهجمت مماليك يلبغا عليه، وأخرجوه من السجن ونزلوا به من باب المدرج وهو ماش مشحطط بينهم، فلما وصلوا به إلى رأس الصوة عند الحوض تقدم إليه مملوك من مماليكه يقال له قرأتمر وضربه بالسيف فرمى رأسه عن جثته، وأخذ بقية مماليكه الرأس ووضعوها في مشعل، ونزلوا بها من الصليبة، وتوجهوا بها إلى بيته الذي في الكبش.
فلما طلع النهار أحضروا الرأس بين يدي السلطان - وكان الأتابكي يلبغا له خلف أذنه سلعة - فلما رأوا ذلك لم يشكوا في قتله، ثم صار جسده مرميا في الصوة على الأرض والناس ينظرون إليه، حتى أخذ رأسه وجثته الأمير طشتمر الدوادار ودفنه في تربة عند الباب المحروق ومضى أمره، فكانت قتلته في ليلة الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ثمان وستين وسبعمائة، وفيه قال بعض الشعراء:
أتاك على يديك الموت لما … ظهرت بما نهاك الشرع عنه
فلا تعتب سواك على الذي قد … بليت به فدود الخل منه
وقال آخر:
بدا شقا يلبغا وعدت … عداه في سفنه إليه