الرميلة، وعلق الصنجق السلطاني، ودقت الكئوسات حربيا، حربيا فطلع إليه غالب العسكر، فاجتمع تحته في الرميلة الجم الغفير من الزعر والعوام وبأيديهم المقاليع والحجارة … وكل هذا بغض في المماليك الذين قد التفوا على الأتابكي أستدمر، وكانوا مماليك يلبغا، وقد جاروا على الناس وصاروا يهجمون على النساء في الحمامات، ويخطفون قماش الناس من الأسواق، فتغيرت منهم القلوب وأبغضهم الناس قاطبة.
فلما ركب الأتابكي أستدمر ومماليك يلبغا، توجهوا من وراء القلعة كما فعلوا تلك المرة. فلما زحفوا وأقبلوا من عند الصوة لاقتهم الزعر والعوام بالحجارة والمقاليع، فألقى الله تعالى الرعب في قلوب المماليك ومن كان معهم من الأمراء، فانكسر مماليك يلبغا أنجس كسرة، وهرب الأتابكي أستدمر من رأس الصوة، وكان يظن أنه ينتصر كما وقع له تلك المرة، فكان كما قيل في المعنى:
أتطمع أن يبقى السرور لأهله … وهذا محال أن يدوم سرور
وتقضي الليالي باجتماع وفرقة … ويحدث من بعد الأمور أمور
فلم يكن إلا ساعة يسيرة وقد أمسك الأتابكي أستدمر وجماعة معه من الأمراء ممن كان من عصبته، وقد أمسكوا من بين الترب، فصار العوام يقبضون على كل من يرونه من مماليك يلبغا ويعرونه ويقتلونه شر قتلة، واستمروا على ذلك إلى آخر النهار.
فلما أمسك الأتابكي أستدمر ومن معه من الأمراء مثلوا بين يدي السلطان، فأراد أن يفيد الأتابكي أستدمر، ويرسله إلى السجن بثغر دمياط، فشفع فيه الأمراء وعرفوا السلطان بأن الأتابكي أستدمر مع مماليك يلبغا تحت الضنك، ولا يقدر على ردهم، فرسم السلطان للأتابكي أن ينزل إلى بيته، وأرسل معه الأمير خليل بن قوصون - وكان الأمير خليل بن قوصون ابن عمة السلطان الملك الأشرف شعبان - فلما نزل الأمير خليل مع الأتابكي أستدمر إلى بيته، اتفق معه على العصيان، وتحالفا على ذلك. فتسامع بهم بقية الأمراء والمماليك الذين كانوا قد اختفوا فجاءوا تحت الليل إلى الأتابكي أستدمر حتى ضاق بهم المكان من الازدحام لكثرتهم.
فلما كان يوم الاثنين ثامن عشر صفر من سنة سبعين وسبعمائة، ركب الأتابكي أستدمر والأمير خليل بن قوصون وجماعة من الأمراء الذين من عصبة الأتابكي أستدمر، فطلعوا إلى الرميلة ووقفوا بسوق الخيل، فنزل السلطان إلى المقعد المطل على الرميلة