وعلق الصنجق، ودقت الكئوسات حربيا، فحصل في ذلك اليوم واقعة عظيمة بين الفريقين، وظن السلطان أنه مأخوذ لا محالة، فكان كما قيل في المعنى:
ولا ترج إلا الله في كل حالة … ولا تعتمد يوما على غير فضله
فكم حالة تأتي ويكرهها الفتى … وخيرته فيها على رغم أنفه
فلم تكن إلا ساعة يسيرة، وكسر الأتابكي أستدمر والأمير خليل بن قوصون وبقية الأمراء الذين ركبوا مع أستدمر، فنهب العوام بيوتهم، وصاروا يمسكون مماليك يلبغا من الاصطبلات ويودعونهم في الحبوس، ثم قيدوا الأتابكي أستدمر والأمير خليل بن قوصون وبقية الأمراء الذين ركبوا مع أستدمر وأرسلوهم إلى السجن بثغر الاسكندرية، وأما مماليك يلبغا فنفوا منهم وغرقوا منهم جماعة، وهرب منهم جماعة إلى بلاد المشرق، وانتصر عليهم السلطان الملك الأشرف شعبان. وقد قال المعمار:
سلطاننا دامت له عزة … ونصرة من أجل هاتين
دمر كبشين ومن سعده … ما انتطحت في ذاك شاتين
وقال الشيخ شهاب الدين بن العطار:
هلال شعبان جهرا لاح في صفر … بالنصر حتى أرى عيدا بشعبان
وأهل كبش كأهل الفيل قد أخذوا … رجما وما انتطحت في الكبش عنزان
ثم أن السلطان، لما خمدت الفتنة، رسم بالإفراج عن من يذكر من الأمراء ممن كان مسجونا بثغر الاسكندرية، وهم: الأمير يلبغا آص، والأمير الجاي اليوسفي، والأمير ملكتمر الشيخوني الخازندار، والأمير أيدمر الخطائي. فلما أفرج عنهم وطلعوا إلى القلعة خلع على الامير يلبغا آص المنصوري واستقر به أتابك العساكر عوضا عن أستدمر الناصري، وخلع على الأمير الجاي اليوسفي واستقر به أمير سلاح عوضا عن الأمير أزدمر العمري الناصري الخازندار، وكان الأمير الجاي اليوسفي زوج أم السلطان الملك الأشرف شعبان، وأنعم على الأمير أيدمر الخطائي بتقدمة ألف.
والأمير ملكتمر هذا هو الذي عمر الجامع الأخضر الذي عند فم الحور بين الغيطان.