ثم استمر الحال ساكنا مدة يسيرة، وقبض السلطان على يلبغا آص المنصوري، وعلى الأمير ملكتمر الشيخوخي. وسبب ذلك أنه قد بلغ السلطان أن يلبغا آص لما حضر إلى القاهر التف عليه جماعة من الأمراء، وقد عول على الركوب على السلطان. فلما تحقق السلطان ذلك بادر إليه وقبض عليه وعلى الأمير ملكتمر وقيدهما وأعادهما إلى السجن بثغر الاسكندرية. وفي ذلك يقول ابن العطار:
يلبغا آص تولى جمعة … فبغى واختار حربا واذعى
ويح من جاء لحكم زائرا … ثم ما سلم حتى ودعا
ثم أن السلطان أرسل خلف المقر السيفي منكلى بغا الشمسي نائب حلب، فلما حضر خلع عليه واستقر به أتابك العساكر عوضا عن طلبغا آص، ثم أرسل خلف الأمير على المارديني نائب الشام، فلما حضر خلع عليه واستقر به نائب السلطنة بالديار المصرية وكان من خيار الأمراء.
وفي هذه السنة توفى الملك المنصور غازي صاحب ماردين، وتولى من بعده ابنه الملك الصالح محمود.
ومن الحوادث في هذه السنة: جاءت الأخبار من دمشق أنه قد نزل بها جراد عظيم لم يسمع بمثله. وقد أتى هذا الجراد من مكة إلى دمشق، فأكل الأشجار وسد أعين المياه، وكان معظم أمره في قرى دمشق مثل حوران وعجلون. فلما كان يوم الجمعة دخل الجراد إلى جامع بني أمية حتى ملأ صحن الجامع وصار يترامى على الخطيب وهو فوق المنبر حتى شغله عن الخطبة، ثم كثر حتى خافت منه القرى والبلدان، فوخم منه الناس حتى صاروا يشمون منه القطران من كثرة رائحته الكريهة، ثم تناقص من بعد ذلك حتى ارتفع عن البلاد الشامية.
سنة احدى وسبعين وسبعمائة (١٣٦٩/ ٧٠ م):
فيها خلع على المقر السيفي قشتمر المنصوري، واستقر به نائب حلب عوضا عن منكلى بغا الشمسي، ثم رسم بالإفراج عن الأمير أزدمر العمري الناصري - جد مؤلفه - وقد تقدم أنه نفى إلى الصيبية في وقعة الأتابكي أستدمر بسبب مماليك يلبغا، فأقام بالسجن في الصيبية مدة ثم رسم بالإفراج عنه ليوليه نيابة الشام عوضا عن الأمير علي المارديني. فلما وصل الأمير أزدمر إلى العريش مرض هناك ودخل إلى القاهرة وهو