عليل، فأقام مدة يسيرة ومات إلى رحمة الله تعالى ودفن بالقرافة الصغرى، بالقرب من زاوية الشيخ أبي العباس البصير ﵁.
وكان الأمير أزدمر هذا أميرا جليلا دينا خيرا له بر ومعروف وآثار، فمن ذلك أنه لما كان نائب حلب أنشأ خانا بها معروف بخان سراقب. ولما كان نائب طرابلس أنشأ حوضا وسبيلا على الدرب السلطاني في قرية من أعمال جبل نابلس تسمى قرية حلمة بني سعد، وله أوقاف على الحرمين الشريقين والذرية، وكان قليل الأذى كثير الجود كما قيل:
وليس سحيق المسك ريا حنوطه … ولكنه ذاك الثناء المخلف
وولى من الوظائف أمير سلاح بالديار المصرية مرتين، وولى نيابة حلب ونيابة طرابلس ونيابة صفد وغير ذلك من الوظائف. وكانت وفاته - أي الأمير أزدمر أبو ذقن - في يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
ولما توفى الأمير أزدمر خلع السلطان على المقر السيفي منجك اليوسفي، واستقر به نائب الشام عوضا عن الأمير أزدمر العمري، وكان قد عين له نيابة الشام.
وفيها خلع السلطان على الأمير الكز الكشلاوي واستقر به وزيرا واستادارا.
وفيها توجه السلطان إلى بر الجيزة ونزل عند الأهرام على سبيل التنزه، فأقام هناك سبعة أيام ثم رحل من هناك وتوجه إلى ثغر الاسكندرية - وكان ذلك في أيام النيل - فحصل للعسكر مشقة عظيمة بسبب المخايض في الطريق. فلما دخل السلطان إلى مدينة اسكندرية دخل من باب رشيد، والأمراء مشاة بين يديه من باب رشيد إلى باب البحر، وفرش له نائب الاسكندرية الشقق الحرير تحت حوافر فرسه وانثر على رأسه الذهب والفضة، وكان له يوم مشهود، فأقام هناك ثلاث أيام، ودخلت عليه التقادم والهدايا، ثم رحل من الاسكندرية ورجع إلى القاهرة وطلع إلى القلعة.
ومن الحوادث في هذه السنة أن جماعة من العوام وقفوا تحت القلعة، ومنعوا الأمراء عن الطلوع إلى القلعة، وصاروا يرجمون الناس، فأرسل إليهم السلطان بعض الأمراء وهو يقول لهم. "ايش قصدكم؟ ". .. فأرسلوا يقولون للسلطان: "تسلمنا علاء الدين بن كبك شاد الدواوين ووالي القاهرة". .. فوقفوا تحت القلعة إلى ما بعد العصر، وحصل منهم غاية الفساد، فرسم السلطان للمماليك بأن ينزلوا إليهم، فنزلوا ورموهم بالنشاب، فتشتتوا وهربوا من الرميلة، فأمسكوا منهم جماعة وأودعوهم في الحبس، وقتل منهم جماعة بالنشاب وهرب الباقون فارين على وجوههم، وغلقت في تلك الليلة المدينة قاطبة، ولم يفد وقوفهم في الرميلة شيئا، فكان كما قيل في المعنى: